#dfp #adsense

ميقاتي يُسقط المقايضة وعون الحلقة الأضعف

حجم الخط

كتب شارل جبّور في صحيفة "الجمهورية" إن دلّت جلسة مجلس الوزراء التي شهدت مشاركة وزراء "الإصلاح والتغيير" وإسقاط اقتراح وزير العمل شربل نحّاس حول الأجور على شيء، فعلى سقوط المقايضة التي وضعها أمين عام "حزب الله"، بالأستجابة "لمطالب عون المحقّة" وتقديم ملفّ "الشهود الزور" على ما عداه ثمنا للتمويل، كما تراجع النائب ميشال عون عن تعهّداته بالاستقالة.

عندما وضع السيّد نصرالله معادلته الشهيرة كأولويّة سياسيّة بعد التمويل، ظنّ كثيرون أنّ رئيس الحكومة سيرضخ لأجندة الحزب الذي لن يسمح له بالمراكمة على قضيّة التمويل، ولكنّ جواب ميقاتي لم يتأخّر بقوله ردّاً على مطالب عون التي رفعها له جبران باسيل: "إنّ أولويّات الحكومة في هذه المرحلة تختلف عن الأولويّات المرفوعة إليه"، خصوصا أنّه يدرك أنّ الثنائيّ عون-الحزب لا يمكن شراء سكوته بمنصب من هنا أو من هناك، لأنّه يريد الاستئثار بكلّ المواقع داخل الدولة من أجل وضع يده عليها من الخارج بواسطة سلطة الأمر الواقع، ومن الداخل عبر أزلامه الذين يقدّمون مصلحة الحزب على مصلحة الدولة، وبالتالي أيّ تنازل لا بدّ من أن يستتبع بتنازلات لاحدود لها ولا سقف.

أمّا الإشارة الثانية فجاءت على لسان النائب وليد جنبلاط في ملفّ "شهود الزور" بقوله: "إنّ هذا الملفّ لا يقدّم أو يؤخّر بمسار المحكمة، وقد أصبح الأمر من الماضي"، وهو أوّل ردّ على السيّد نصرالله في هذا الموضوع من فريق داخل الحكومة، وهذا الردّ هو عمليّا بالإنابة عن رئيسي الجمهورية والحكومة اللذين لا يحبّذان فتح هذا الملفّ.

ولعلّ إصرار السيّد نصرالله في إطلالاته العاشورائيّة على مسألة "مطالب عون" كان الهدف منه ممارسة مزيد من الضغوط على رئيس الحكومة لحمله على الاستجابة لهذه المطالب، وذلك من أجل إخضاعه لا إسقاطه، لأنّ الحزب لم يعد يمتلك الأكثريّة التي تسمح له بتكليف بديل عنه، وبالتالي اتّخذ قراره بإخضاع ميقاتي من جهة، ومحاولة اجتياح الإدارة من جهة أخرى، في محاولة تعويضية عن هزيمة التمويل، كما استلحاق نفسه بتعبئة الإدارة بأزلامه قبل حصول تطوّرات تؤدّي إلى سقوط هذه الحكومة.

ولكنّ "التيار الوطني الحر" الذي يضعه "حزب الله" باستمرار في "الواجهة" السياسيّة تلافيا لحساسيّات سنّية-شيعيّة، يدفع دائما من رصيده المتراجع وصدقيته المتهالكة، وآخرها تلويحه بالاستقالة من الحكومة للضغط على رئيسها في قضيّة التمويل، غير أنّه ما لبث أن تراجع عمّا أطلقه من شروط ربطاً بالعودة عن اعتكافه، لأنّ الأولويّة السوريّة التي بدت التمويل حفاظا على الحكومة، لن تتساهل مع أيّ محاولة لإسقاطها تحت أيّ عنوان، لأنّ الحكومة اللبنانية تشكّل بالنسبة إليها حاجة سياسيّة ومتنفّسا اقتصاديّا في ظلّ الحصار الدولي والعربي المفروض عليها. وفي هذا السياق، أجرت أوساط محايدة قراءة لحسابات الربح والخسارة بين مكوّنات الحكومة نفسها، وقد خرجت بالانطباعات الآتية:

أوّلا، تمكّن رئيس الحكومة من تسجيل هدف ثمين في التمويل، كما نجح، انطلاقا من الحاجة السوريّة إليه في الحكومة، لأنّ استقالته تفقد الأكثريّة الراهنة القدرة على تشكيل حكومة أخرى، في جرّ وزراء عون إلى المشاركة في جلسة مجلس الوزراء من جهة، وإسقاط مشروع شربل نحّاس من جهة أخرى.
وقد تمكّن ميقاتي بذلك من ضرب "عصفورين بحجر واحد"، فضلا عن إظهار عدم رضوخه لمقايضة نصرالله، كما التدليل بأنّ أولويته هي مصلحة البلد لا مصلحة هذا الطرف أو ذاك.

لا شكّ أن رئيس الحكومة يحاول التخفيف قدر الإمكان من فاتورة استمراره في السلطة، وهي حاجة سوريّة، بالتعويض في التمويل، ومن ثمّ في مواجهة الحالة العونيّة، وقد كان لافتا قوله، ردّا على مطالب عون ومواقفه: "أنا مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، هو شريكي الدستوري، ولا أريد أن أتركه، خاصة أنّ ما يجمعنا هو علاقة مثاليّة لم يسبق في تاريخ لبنان أن مرّت بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة. إنّها علاقة ممتازة، وأنا حريص عليها ولا أريد أن أخرّبها وأن أقوم بأيّ عمل يخرق الشراكة بيني وبين الرئيس سليمان". ولعلّ هذا الموقف بحدّ ذاته يؤشّر إلى غياب أيّ نيّة لدى رئيس الحكومة بالتنازل لعون على حساب رئيس الجمهورية.

ثانيا، من الواضح أنّ دور ضابط إيقاع الحكومة الذي لعبه "حزب الله" منذ لحظة تشكيلها، لم يعد قائما نظرا للتحوّلات التي طرأت على المشهد السياسي مع الثورة السوريّة.

ثالثا، تحوّل ميشال عون إلى المكوّن الأضعف داخل الحكومة، لأنّ رضوخه للأولويّة السوريّة المتمثلة باستمرار الحكومة يحرمه من تحقيق أيّ مكسب عمليّ أو معنويّ يعوّض عبره خسائره حيال بيئته، خصوصا أنّ أيّ تنازل من قبل ميقاتي لمصلحة عون سيرتدّ عليه داخل بيئته وفي علاقته بسليمان، وهذا ما يجعله في غير هذا الوارد في ظلّ تفلّته من أيّ ضغوط تحت عنوان أنّ من يهدّد بالاستقالة في حال رفض التمويل، لن يتوانى عن التهديد في هذه الاستقالة في حال الإصرار على جعله رهينة لدى "حزب الله"-عون.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل