عندما تم استقدام العماد ميشال عون على عجل من باريس بموجب اتفاق وضع خطوطه العريضة النظام السوري بواسطة الرئيس السابق إميل لحود ونجله النائب السابق إميل إميل لحود والوزير السابق كريم بقرادوني، كانت حاجة المعسكر السوري- الإيراني لعون ماسة جدا.
فبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ظن هذا المعسكر أن الوضع سيصبح تحت السيطرة من جديد بعد محاولات الحريري للتحضير لانتخابات نيابية تأتي بأكثرية معارضة للسوريين. لكن دم الحريري أشعل ثورة لم تكن في الحسبان، فكانت ثورة "14 آذار" التي خلطت كل الأوراق بعدما فشلت تظاهرة "شكرا سوريا" في 8 آذار2005 في الحد من اندفاع اللبنانيين نحو المطالبة بانسحاب الجيش السوري والإطاحة برموز النظام الأمني السوري- اللبناني.
هكذا كان لا بدّ مجددا من حصان طروادة، الحصان إياه الذي قضى على ما تبقى من سيادة لبنانية وأنهك القوى المقاومة لسوريا بين عامي 1989 و1990 ودمّر المناطق الحرّة وكبّد المناطق المسيحية أكثر من 3000 شهيد وأكثر من 300 ألف مهاجر.
تمّت صفقة إعادة عون بسرعة فائقة تحت عنوان واحد: محاولة إضعاف قوى "14 آذار" وتأمين تغطية مسيحية لـ"حزب الله" بهدف تعويمه إضافة الى تحسين أوضاع النظام السوري في الداخل اللبناني بعد انسحاب جيشه مذلولا في 26 نيسان 2005.
نفذ عون المطلوب منه حرفياً: حاول قصم ظهر "14 آذار" ففشل لأن القوى السيادية تمكنت من تحقيق الأكثرية النيابية في انتخابات أيار 2005 رغم كل الجهد الذي بذله النظام الأمني مباشرة وعبر وسائل الإعلام لتكبير حجم عون النيابي.
أكمل عون مهمته ووقع وثيقة التفاهم مع "حزب الله" وتبنى كل طروحات الحزب وحمل لواء الدفاع عن سلاح "الحزب الإلهي" في كل الظروف. ولم يتردّد في زيارة دمشق تكرارا على متن طائرة رئاسية سورية متناسيا المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. وذهب جنرال الرابية أبعد من ذلك وقام بزيارة طهران مقدما فروض الطاعة والولاء الى أبعد الحدود.
"قبض" عون مقابل تبعيته وجهده لنقل المسيحيين في لبنان من موقعهم السيادي الطبيعي والتاريخي الى موقع التبعية لسوريا و"حزب الله" بعدما فشلت سوريا في إخضاعهم طوال أكثر من 30 عاما. قبض من المال "الطاهر والشريف" الكثير من تمويل الذي صبّ في مؤسساته الإعلامية وغير الإعلامية وصبّ أيضا داخل اللعبة العائلية، إضافة الى منحه مغانم داخل السلطة في عدد الوزراء وتكبير حجمه إعلاميا.
السؤال الكبير هو ما الذي تغيّر اليوم؟ عون يشعر بأن حلفاءه خذلوه. ممنوع عليه المزيد من المكاسب في الحكومة التي يُفترض أنه مُنح فيها 10 وزراء. وزراء "حزب الله" حليفه الأقرب صوّتوا ضد مشروع رفع الأجور الذي اعدّه وزيره شربل نحاس. "حلفاؤه" مارسوا عليه البلطجة في معمل الزهراني وبقي صهره عاجزا عن مساءلتهم وبقي هو صامتا… التعيينات مجمّدة…
مساء الخميس خرجت مقدمة التلفزيون البرتقالي لتقول: "ما حصل في مجلس الوزراء بالامس وتخريج قرار رفع الاجور كما يناسب رجال الاعمال في الحكومة ألقى الضوء على حقيقة التحالفات وما يمكن أن يسمى الحلف الخماسي الذي أبصر النور بطريقة غير مباشرة وأطاح بمطالب تكتل "التغيير والاصلاح" التي تشكل مطالب الناس وهمومها. الحلف الخماسي ضم الحليف وحليف الحليف والثلاثي ميقاتي سليمان وجنبلاط وجاء بعد كلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بضرورة الاستجابة لمطالب التكتل فهل هكذا يستجاب النداء؟"
للمرة الاولى يخرج الخلاف العوني مع "حزب الله" الى الإعلام. اتهام عوني مباشر لحزب السلاح بأنه دخل في حلف خماسي في مواجهة الوزراء العونيين!
والسؤال الذي بدأ يتعاظم في الأوساط العونية هو هل بدأ "حزب الله" يتخلى عن التيار العوني بعدما انتفت حاجته إليه؟ وهل انتفت الحاجة الى التيار العوني في ظل ما يحدث إقليميا من انهيار للنظام السوري والتهديد الجدي الذي تتعرض له إيران، وبالتالي تقدمت الأولويات الإقليمية في حسابات "حزب الله" على كل الحسابات الداخلية؟
الثابت الوحيد هو أن ميشال عون لم يعد لديه ما يقدّمه لـ"حزب الله"، وبات عمليا ملحقا به ولا يمكنه حتى الانقلاب عليه لأن لا مكان آخر يلجأ إليه عون بعد ممارساته في الأعوام الستة الأخيرة، وبالتالي بات التيار العوني بمثابة حزب "البعث" فاقدا أي حيثية مستقلة بمعزل عن إرادة "حزب الله"… فما الذي ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة في موضوع العلاقة بين "حزب الله" والتيار العوني؟ فلننتظر ونرَ…