كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء": التفجير الذي طال الوحدة الفرنسية في قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب صباح أمس في منطقة صور رغم أنه ليس الأول، حيث سبقه في أواخر تموز الماضي استهداف ذات القوات الفرنسية بتفجير من العيار الثقيل في منطقة الرميلة بالقرب من مدينة صيدا، ومنذ عشرة أيام أُطلق عدد من صواريخ الكاتيوشا من الجنوب باتجاه فلسطين المحتلة.
إلا أن التفجير الأخير كان الأكثر دلالة في مضمونه، حيث استهدف إثنان منها خلال ثلاثة أشهر قوات الطوارئ الدولية بصورة عامة والفرنسية منها بصورة خاصة، وهذا ما دفع الهواجس من جعل لبنان ساحة تتقدّم الى الواجهة، وبالتالي استخدامه كصندوق بريد لإرسال الرسائل السياسية بامتياز.
والسؤال المطروح اليوم بشدة هل حقاً لبنان عاد ليُستخدم كساحة صراع يتم عبره إرسال الرسائل الأمنية والسياسية؟
وهل لبنان غير محصَّن في وجه هذا الاستخدام؟
وهل يمكن القبول مجدداً جعل لبنان ساحة لصراع الآخرين؟
في الاشهر القليلة الماضية ابدى اكثر من مسؤول ومراقب لبناني وعربي خشيته من عودة استخدام لبنان كورقة ضاغطة خدمة لمصالح الآخرين وترافق اعلان هذه الهواجس مع تصاعد حركة الاحتجاجات في سوريا وتزايد الضغوط الاقليمية والدولية على النظام السوري باتجاه اهمية وضرورة اجراء اصلاحات داخلية تشكل خشبة الخلاص من الاحداث التي تتزايد حدتها يوماً بعد يوم واسبوعاً بعد اسبوع.
وكان البعض اكثر صراحة بإعلانه عن خشيته مع تزايد حدة الاحداث في سوريا من جعل قوات الطوارئ رهائن تستخدم للضغط على دولهم ومن المعروف ان اكثرية القوات المشاركة في قوات الطوارئ الدولية هم من الدول الاوروبية الغربية منها تحديداً وفي مقدمها فرنسا وايطاليا واسبانيا.
هذه الهواجس تزايدت بعد اضطلاع منظومة الاتحاد الاوروبي بدور فاعل ومتحرك ومؤثر باتجاه دعم حركة الاحتجاج الشعبية المناهضة لنظام الرئيس بشار الاسد.
لبنان تم استخدامه كساحة لصراع الآخرين وبشكل حاد ابان الحرب الأهلية (1975 – 1989)، حيث تدفق وقتها السلاح والمال لتغذية الصراع الداخلي، ففي تلك المرحلة كم من وقف لاطلاق النار خرق، وكم من هدنة بين الأطراف لم تدم سوى لساعات أو لأيام قليلة، وكم من مؤتمر عُقد وتم افشاله عمداً، كل ذلك كان يحصل لأن التوافق بين القوى الخارجية لم يكن قد توفر بعد. وبعد اتفاق الطائف عام 1989 نال لبنان قسطاً من الراحة، لكنه بقي ساحة لصراع الآخرين، حيث كان التصميم من البعض على استخدامه ورقة تستعمل للضغط على الاخرين، وكانت الرسائل على أرضه تظهر بين الحين والآخر.
بعد ساعات قليلة على مغادرة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان للاراضي اللبنانية وقع الانفجار الذي استهدف قوات الطوارئ الدولة، حيث يرى البعض أن هذا التفجير شكّل رسالة قوية واضحة الأهداف.
فهو من جهة جاء رداً على الرسالة التي حملها فيلتمان وأبلغها للمسؤولين اللبنانيين ومفادها "انه على لبنان ان لا يقدم اي دعم للنظام السوري لا سياسي ولا مالي، وأن هذا النظام لا محالة راحل، وعليكم أن لا تتوهموا ببقاء هذا النظام، بالتالي يجب ان لا تنصاعوا لأوامره ليستخدم بلدكم في مواجهة الدول العربية والمجتمع الدولي" ومن ثم ابدى فيلتمان مسلمات سياسة بلاده الداعمة لسيادة واستقرار لبنان فيما لو التزم بالقرارات الدولية ومنها 1701 و1559، وبكل موجبات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
ومن جهة ثانية، استهداف قوات الطوارئ يهدف للضغط على الدول الاوروبية عبر استهداف حياة ابنائها في لبنان، وذلك للحد من الدور الاوروبي الناشط والداعم سياسياً وفي المحافل الدولية لقضية الحراك الشعبي في سوريا. وفي هذا الاطار جاء الرد الفرنسي من وزارة الخارجية واضحاً "لن ننسحب من لبنان، وهذا الاستهداف مفضوح الاهداف…" مما يعني ان اهداف الرسالة واضحة لديهم.
يرى مراقب سياسي ان لبنان بلد غير محصّن لمواجهة الاختراقات الخارجية، فالسلطة ضعيفة وعاجزة وغير قادرة على اتخاذ القرارات الهامة التي تجعل من لبنان بلداً محصناً، فمنذ عام 2006 اتخذت القوى السياسية اللبنانية في جلسات الحوار الوطني الذي دعا اليها الرئيس نبيه بري وترأسها قرارات هامة منها سحب السلاح الفلسطيني الموجود خارج المخيمات الفلسطينية وتفكيك هذه المعسكرات، التي تبين انها لا تستخدم لحماية الشعب الفلسطيني داخل المخيمات ولا علاقة لها بنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي، وكذلك تبين لهذه القوى السياسية ان هذه المعسكرات تشكل عائقا امام عودة السلطة اللبنانية كقوة فاعلة لحفظ الامن، وهذا القرار اتخذ بموافقة كافة القوى السياسية المشاركة (هذا ليس للدلالة على اتهام هذه المعسكرات ومنظماتها بالتفجيرات، ولكن للدلالة على عجز السلطة بسبب انقسام اللبنانيين، فالتفجيرات يمكن ان تكون من فعل لبنانيين او غيرهم).
هناك اكثر من عنوان في لبنان يمكن استخدامه في اطار بعث الرسائل الامنية وغيرها، ولكن ما يهمنا القول ان حادثة استهداف القوات الفرنسية يمكن ان تتكرر طالما السلطة عاجزة وضعيفة.
وبسبب هذا الوهن الذي يعتري السلطة، وبسبب هذه الانقسامات الحادة بين اللبنانيين، باتت غالبية الشعب اللبناني تخشى من رسائل أشد قسوة وأكثر ايلاماً ألا وهي وقوع فتنة بين اللبنانيين تطيح ببعض معالم الاستقرار المتبقى لديهم.
الهواجس كثيرة ومتعددة حضرت بقوة بعد التفجير في منطقة صور، وهذا ما يجعل نظرية لبنان اولاً، ومصلحة اللبنانيين وأمنهم واستقرارهم تتقدم على غيرها للتغلب على هذه الاختراقات الخطيرة.