لا يكتفي العونيون بتوجيه الانذارات الى الحكومة واعطائها "فرصة اخيرة" لتصويب عملها، بل يقولون كما نشر امس، انها في "موت سريري" وانعاشها او استمرارها مرتبط بتطورات الاوضاع في سوريا.
هذا ليس اكتشافاً لكنه شهادة شاهد من أهله، فمنذ تشكيل الحكومة على قاعدة الاكراه السياسي اسقاطاً لحكومة الحريري وتغييراً لميزان القوى ثم تكليفاً لميقاتي، بدا واضحاً انها لن تعيش طويلاً، فهي أشبه بالدمى المتحركة وقد جيء بها لنسف المحكمة الدولية وإحكام القبضة على السلطة التنفيذية، لكن التطورات في سوريا فرضت بقاءها لأن النظام يحتاج الى ظهير سياسي يتبنى مواقفه في الجامعة العربية ومجلس الامن كما تبين تكراراً.
كان الخيار بين حكومة تموّل المحكمة او السقوط، فحصل التمويل لأن للحكومة وظائف اخرى خارجية. وكما ابتلع العونيون مواقفهم ودفعوا "الفدية" عن لبنان تمويلاً للمحكمة، يدفعون الآن فدية بقاء الحكومة التاعسة وسيبتلعون وعودهم بالجمهورية الفاضلة، ونحن في بلد الحكومات التي دفنت فضيلة المسؤولية منذ زمن بعيد. خلاصة الوضع تتمثل في كلامهم امس: "لو اننا نضمن البديل لكنا اسقطنا الحكومة منذ اسابيع". تلك هي المسألة يا طويل البال، فمن ذا الذي يصنع البدائل الحكومية عندنا ومن يفصّل ليلبس الآخرون أولئك الذين نبتت أجنحة الملائكة فوق أكتافهم؟
لا داعي للجواب، فنحن الآن أمام "تفعيل العمل الحكومي" ولا ندري كيف ومن أين يبدأ التفعيل، هل يبدأ من تفكيك ما يسميه العونيون "الحلف الخماسي" (الحليف "حزب الله" وحليف الحليف حركة "أمل" والثلاثي سليمان وميقاتي وجنبلاط) الذي يتهمونه بلعب دور بروتوس وقد طعنهم في الظهر في ألغاز مسألة الأجور التي تستحق ان تكون موضوع مسابقة بعنوان "افهم واربح المليون"؟ أم إنها تبدأ من توضيح ان ما يسمى "المطالب العونية" ليس في الاساس إلا مطالب مزمنة سبق ان رفعتها أحزاب وقيادات كثيرة من أيام نوح، فجاء عون واختطفها ليطرحها على انها من اكتشافاته الباهرة؟ أم لعلها تبدأ من ترسيم حدود المشاعات السياسية المتداخلة في الحكومة، حيث لم يعد يعرف الناس من المسؤول وأين هي المسؤولية وسط طوفان من فضائح الكهرباء وفلتان الأمن وانتهاك القانون وامتهان السيادة الوطنية، وحيث لا يعرفون من يمسك بدفة السفينة، عون الصارخ: أنا القائد المنقذ فتعالوا إليّ أيها المتعبون، أم سليمان الوسطي، أم ميقاتي الذي يُخرج الأرانب من القبعات وآخرها زيادة الأجور التي أصابت شربل نحاس بالصدمة، أم نبيه بري العاتب عليّ حبياً لتسميتي ايّاه "أرشيدوق الحلول" وبسلامة قلبه فنحن في لبنان لا في النمسا؟
الضرورات السورية هي التي تبقي الحكومة، ولهذه الضرورات أصابع، ولهذه خبرة أخوية في تحريك العرائس.
لهذا اسأل بمحبة: لماذا يُتعب عون نفسه بالغوص في مياه عكرة فيها من خناجر بروتوس أكثر مما فيها من سمك يسوع… ليطعم الفقراء؟!