رغم النكسات المتتالية التي مُني بها رئيس تكتل التغيير والاصلاح، بدءاً بتمويل المحكمة الدولية، مروراً بمشروعه الملتبس لإصلاح الكهرباء، ومشروع وزير العمل لزيادة الأجور، وانتهاء بفشله في فرض مرشحه لرئاسة مجلس القضاء الأعلى، لا يزال يتصرف وكأنه وبالإذن من سماحة السيّد، المرشد الأعلى للحكومة من موقعه كصاحب أكبر كتلة وزارية فيها، مدعوماً من حليفه الأساسي حزب الله، ومن آخرين يدورون في فلك هذا الحزب.
وعلى أساس هذا الاعتداد بالنفس، يصرّ على تحديد مسار الحكومة، بالتهديد أحياناً بالاستقالة منها، وأحياناً أخرى بتهبيط الحيطان على رئيسها بسحب بساط الحكم من تحت قدميه.
جميل هذا الاعتداد بالنفس، وهو مبرّر، لأن النائب عون، يشكّل في حقيقة الأمر، حاجة لحزب الله لا يمكنه الاستغناء عنها مهما شرد ومهما لم ترق له تصرفاته، ومهما غالى في تطرفه السياسي تجاه الحلفاء، لكن هذه الحاجة مهما كانت ضرورية لحزب الله، ولمشروعه السياسي والإقليمي، وصلت كما هو واضح إلى مفترق صعب، أو إلى مأزق حرج، عبّرت عن نفسها في تخلي الحزب عن ارتباطه به في موضوع تمويل المحكمة، واضطر العماد إلى التراجع عن كل مواقفه، والتسليم بالتمويل، وإن حاول أن يقايضه بالاستقرار والمصلحة العليا، كما تخلى عنه في موضوع زيادة الأجور ووجد العماد نفسه مرة ثانية مجبراً على الرضوخ مسايرة لحزب الله على مضض، ومع رضوخه، سحب التهديد باستقالة وزرائه وفي أحسن الأحوال مقاطعة مجلس الوزراء لتعطيل الحكومة، ومنعها من تحقيق أي إنجاز، وكأنه أدرك أن الظروف التي سمحت له في السابق أن يتصرّف كمرشد أعلى قد تغيّرت، وأن الذين أعطوه هذا الموقع، أصبحوا ونتيجة المتغيّرات التي حصلت منذ تأليف الحكومة وحتى الساعة، في وضع لم يعد يسمح لهم بإعطائه إياه.
وعلى افتراض أن الظروف ما زالت على حالها، وأن القوة التي تمسك بالقرار من خلال إمساكها بالحكومة، لم تتغيّر، وهو احتمال ضعيف، فمن الواضح أيضاً أن ظروف الحكومة تغيّرت، ومعها تغيّر رئيسها، بدليل القرار الذي اتخذه بتمويل المحكمة خلافاً لكل التوقعات والحسابات، ومن ثم عدم رضوخه للضغوط العونية بالنسبة إلى التعيينات الإدارية ومنها تحديداً تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى وصولاً إلى قفزه فوق مشروع وزير العمل لزيادة الأجور والدخول مع العماد عون في معركة التصويت داخل مجلس الوزراء بدل الرضوخ والتسليم بمشيئته.
لعل ما حصل حتى الآن، يشكّل درساً يستفيد منه رئيس تكتل التغيير والاصلاح لإعادة النظر في حساباته وسياساته، وكل طموحاته، ويقتنع أن الظروف تغيّرت، وأن ما كان ممكناً قبل ستة أشهر، أصبح مستعصياً إن لم يكن مستحيلاً اليوم، مع الاعتراف بأنه ما زال يملك ورقة الخروج من الحكومة لكي يحافظ على ما تبقى من شعبيته، لكن خروجه لن يعيد له ما خسره.