#adsense

لقاء الاشتراكي والقوات يُعزّز العيش المشترك

حجم الخط

اللقاء الذي تمّ في معراب، بين قياديين من الحزب التقدمي الاشتراكي وآخرين في حزب القوات اللبنانية، برئاسة اميني السر في كلا الحزبين، اشاع جواً من الارتياح عند مختلف اللبنانيين، الاّ عند الذين لا يريدون خيراً بهذا الوطن، واسباب الارتياح عديدة، فهي اولاً تعيد الى الذاكرة مصالحة الجبل التاريخية التي تعاون البطريرك التاريخي الكاردينال نصرالله صفير، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، على ترتيبها وانضاجها وتنفيذها لتعيد الى الجبل قلب لبنان، روحه التي ادمتها الاحداث بعد استشهاد المعلم كمال جنبلاط، وبعد انسحاب العدو الاسرائيلي من قلب لبنان، وكان شباب القوات اللبنانية، الذين خاضوا حرباً مريرة مع الاشتراكي، في طليعة الزاحفين الى الجبل مع البطريرك صفير، اشارة منهم الى ان الحرب اصبحت وراءهم، ومستقبل تجديد العيش الواحد امامهم، خصوصاً ان النائب وليد جنبلاط كان اعلن في اكثر من مناسبة رفضه لتلك الحرب التي وقع فيها الجميع، والسبب الثاني لارتياح اللبنانيين الى هذا اللقاء، لأنه يأتي في مرحلة صعبة يمرّ فيها لبنان، حيث تشهد الساحة السياسية توتراً، والساحة الشعبية قلقاً، والساحة الطائفية والمذهبية احتقاناً، والساحة العربية ثوراناً ودماء، امّا السبب الثالث، فلأن هذا اللقاء يتم بعد برودة وانقطاع في العلاقات، واختلاف في وجهات النظر بين حزبين حليفين كبيرين، كان لهما معاً دور مؤثر في ثورة الارز بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وفي مجال اعطاء الحق الى اصحابه، لا بد من التنويه بأن الحزب التقدمي كان السبّاق الى اعادة وصل ما انقطع بينه وبين احزاب 14 آذار، بعد الانتخابات الحزبية التي انتجت قيادات جديدة، حيث كانت اولى الزيارات الى بيت حزب الكتائب في الصيفي، ومن المرجّح ان تشمل الاحزاب الاخرى.

* * * * *
مما لا شكّ فيه ان المصالحة الدرزية – المسيحية في الجبل، مهمّة للغاية، لأن المكوّنين الدرزي والماروني هما الاساس في الكيان اللبناني، اضافة الى المكوّن الشيعي، وفي ما بعد المكوّن السنّي، ومن الطبيعي، ان تكون هذه المكوّنات الاربعة، متوافقة ومتعاونة على المبادئ الاساسية التي تسمح لصيغة العيش المشترك ان تبقى وتستمر، وفي طليعة هذه المبادئ عدم اللجوء الى السلاح لحلّ اي خلاف او اختلاف مهما كان كبيراً، ولكن مع الاسف، شهد لبنان على مرّ التاريخ حالات عدّة انتهك فيها هذا المبدأ، بحيث كادت صيغة العيش المشترك ان تنهار تماماً، الا ان ارادة الجمع عند مختلف الاطراف كانت اقوى من ارادة القسمة، وسرعان ما كانت جروح الفتنة تندمل، وتعود مياه العيش المشترك الى مجاريها، كما حدث تماماً بعد احداث الحرب الاخيرة، من هنا تأتي اهمية تعميم مصالحة الجبل على جميع الطوائف والمذاهب، واهمية ان تقوم هذه اللقاءات بين الاحزاب المتخاصمة او المتحالفة، بحماية هذه المصالحة، والتشديد دائماً على ضخ دم جديد في عروقها حتى لا تيبس وتموت، وكان وليد جنبلاط على حق عندما صرّح بأن المصالحة الدرزية – المسيحية لوحدها لا تنقذ لبنان، بل يجب ان تشمل الجميع، وكلامه هذا ليس ابن اليوم، بل يعود الى اكثر من عقد من الزمن.

من حسن الصدف ان اللقاء بين القوات اللبنانية والاشتراكي، يتم بعد تغييرات عميقة وجذرية حصلت داخل الحزبين، مع افضلية للقوات في حجم هذه التغييرات، على اعتبار ان الدكتور سمير جعجع رئيس الحزب ورفاقه في الهيئة التنفيذية يبنون الحزب من الصفر من حيث النصوص والهيكلة، في حين ان الاشتراكي العريق تأسيساً يجدد ذاته بالترافق مع الاوضاع والمستجدات والزمن المتغيّر، وليت الاحزاب اللبنانية جميعها تعيد النظر بدستورها وانظمتها وسياساتها، لتتماشى مع العصر والحداثة، ومع اوضاع لبنان المستجدة المختلفة عمّا كانت عليه في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وتحمل معاً مشعل الحرية والديموقراطية والتطور والعمل من اجل لبنان قوي مستقر مزدهر سيّد نفسه وقراره.

* * * * *
الاختلاف حق، والتنوّع حق، والانتقاد حق، والتنافس حق، انما الباطل والمرفوض، هو التخوين، والاتهام، والتسلّط، واستخدام السلاح وسيلة للسيطرة والهيمنة والقهر، وكما ان البطريرك الماروني بشارة الراعي يدعو الى تفاهم اللبنانيين حول ميثاق وطني جديد، فان الاحزاب اللبنانية، مدعوة بدورها الى اللقاء والحوار والتفاهم على ميثاق وطني للاحزاب يكرّس فيه الاختلاف واحترام الآخر، والتنوّع ضمن مصلحة الوطن، والانتقاد دونما تجريح، والتنافس بعيداً عن استخدام القوة والسلاح والمال.

في هذا الاتجاه، وهذه الاهداف، قرأت لقاء الاشتراكي مع القوات والكتائب، واذا كان المشي على سطح القمر خطوة صغيرة للانسان في مجال اكتشاف الفضاء، لنجعل من مثل هذه اللقاءات المفيدة، خطوة اولى في طريق، قد تكون طويلة، لانقاذ لبنان، وانقاذ الحياة السياسية والحزبية وانقاذ صيغة العيش المشترك الموضوعة منذ زمن في غرفة العناية الفائقة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل