الجامعة اللبنانية من فؤاد أفرام البستاني إلى عدنان السيد حسين! عندما يتوقّف زمن “الجامعة” الجميل

كتب بول شاوول في "المستقبل": من الجامعة الوطنية اللبنانية التي كانت جزءاً من التغيير والتطوير والإنماء الثقافي والإنخراط في الحداثة الفكرية والأدبية والعلمية والتربوية والسياسية، ومختبراً للتجارب النقابية والإبداعية، على مساحة واسعة وشاملة من التعددية، والديموقراطية لا سيما بعد توحيد الحركة الطالبية من خلال إنشاء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، وهو في رأينا، من أهم الإنجازات التي تحققت بعد الاستقلال.

من تلك الجامعة التي خرّجت كبار المبدعين وفي الميادين الشتى، الى ما يسمونه اليوم، (وما زالوا يسمونه) الجامعة اللبنانية، هاوية، عبّرت عن انتقال لبنان كله من زمن الحلم الى زمن اليأس. ومن زمن الصراع الفكري الى زمن الكانتونات المذهبية. من زمن الأسئلة الكبرى الى زمن اليقينيات المغلقة. من زمن تنافس المُثل الى زمن الاستنقاع في السياسة، من زمن التسابق الى المستقبل، والمجهول، والمغامرة، والجنون الجميل، الى زمن التسابق الى الماضوي، والانكفاء والخرافة والقبول من التوحيد على تعددية الى زمن التقسيم على شرذمة: كانت الجامعة اللبنانية منذ منتصف الستينيات حتى اندلاع حروب العملاء والطغاة على لبنان المنارة الأكثر إشراقاً في الشرق العربي، لتصير بعدها مستنقعاً للطائفية والظلامية والعنف والتخلّف والكانتونية والشرذمة. كانت حاضرة الثقافة في آفاقها المفتوحة وصارت "سوبر ماركت" حزبية تافهة وموئلاً لفقهاء الظلام، ورديفاً لبنى مغلقة، وفروعاً ودكاكين يسودها "بلطجية" الحركات والميليشيات و"شبيحة" الطوائف، و"آلهة" العنف والاستتباع…

جامعة من أطلال
أخذت هذه الأفكار تراودني، بل هذه المقارنات عندما مررت قرب إحدى الكليات، فماذا وجدت: صوراً لزعماء، جدراناً متّسخة، يافطات بشعة، أناشيد وإعلانات حزبية تافهة، شعارات مستهلكة. أف! أهذه هي الجامعة التي ناضلنا من أجلها؟ تذكرت أن ما من صورة زعيم أو وزير أو رئيس حزب علّقت في الجامعة اللبنانية، وفي كل الكليات أيام زمان. كأنني كنت واقفاً على أطلال! جامعة من أطلال. حركة ولا حياة. ضجة ولا شيء غير الضجة. تساءلت بحزن: من علّق هذه الصور لزعماء لبنانيين وأجانب في الجامعة؟ شيء مقرف. وتذكرت أن هذه الجامعة اليوم التي فبركت على قياس "الميليشيات" والأحزاب، لم تتظاهر منذ أكثر من ثلاثة عقود من أجل مطلب يخصها: المباني كأنها شقق مفروشة. الأساتذة يدخلون من دون كفاءة، تعيّنهم مراجع حزبية. غارقة في الأمية.

وتذكرت تلك الأخبار التي راجت عن تفريغ أساتذة يحملون شهادات مزوّرة. وعن طلاب ينجحون بالواسطة، وعن مجلس جامعة كأنه مجلس قروي أو بلدي أو فصيل حزبي. فكأن بات لكلٍّ جامعته. لكل ملة جامعتها. لكل مذهب، أو طائفة، أو قبيلة جامعاتها. باتت الجامعة الوطنية الأم من متفرعات تلك المتفرعات الخاصة. كأن الجامعة الوطنية صارت جامعة خاصة، والجامعات الخاصة (المستحدثة على أسس طائفية) "وطنية". فالمجالس متشابهة كانتماءات، والأساتذة متشابهون من حيث الكفاءات والارتباطات، والمستويات الضحلة، والتخلّف وسياسة التجهيل والانغلاق والعصبيات متشابهة. كأنها في علاقتها بالجامعة "الوطنية" أشبه بواقع التلفزيونات ووسائل الإعلام الخاصة اليوم: لا مرجعية علمية، أو تخصصية. لا حلم. لا إبداع. فكيف تحوّلت جامعتنا الوطنية هذه الى تفرعات حزبية، ومذهبية، وقبلية وحتى عائلية؟ كيف صارت "ميني كانتونات"، منغلقة، مرتهنة لخارجها؟

عندما كانت الجامعة .. جامعة
تذكرت كيف بنت الحركات الطالبية ما بين منتصف الستينيات وحتى اندلاع الحروب (مع الأساتذة) بنضالاتها المتواصلة، وبأدواتها الديموقراطية، كل كلية، كل مختبر، كل مكتبة، كل إنجاز. بالتظاهرات، والاعتصامات، وأشكال الاحتجاج والتصادمات مع السلطة آنئذ، بنت كل لبنة، وكل مكسب. وعندها كانت الجامعة جامعة بكل معنى الكلمة. ونعني أنها كانت موحدة بقدر ما كانت متعددة. نزل إليها الطلاب من الدساكر والقرى الطلاب الفقراء والمتوسطون والميسورون من كل جهات لبنان، ليتعلموا، ولتكون لهم جامعتهم كبيتهم وأرضهم. فلولاها لما تعلّم الألوف، ولما تخرّج ألوف بل عشرات الألوف من الطبقات الدنيا، الذين لم يكن في مقدورهم أن يخترقوا أسوار الجامعات الخاصة التي كانت جامعات الأغنياء وأبناء الزعماء. وبهذا المعنى، لعبت الجامعة في تلك الفترة (ما قبل الحروب) دوراً أساسياً في تغيير البنية الثقافية والفكرية والاجتماعية.

للمرة الأولى صار للشرائح غير الميسورة أن تتفتح وتتحول، وتتغير، وتتثقف، لتشارك في صنع المستقبل، والثقافة، والسياسة، والعلم. هنا بالذات كان دورها التغييري. إذ لم يقتصر دور الجامعة الوطنية على "التعليم" ومنح الشهادات، والاختصاصات، وإنما الى ذلك كان دورها الانخراط في الفضاء الثقافي والإيديولوجي والفكري الحداثي، لتكون وعن جدارة الخطوط الموازية للنهضة الأدبية والثقافية، بل لتكون الوجه الآخر للحداثة العربية، الوجه النخبوي، الشعبي، الوجه الشبابي الطازج، الوجه التقدمي، والتفاعلي والجدالي والنقدي. ولهذا، وبفترة ليست بطويلة، صارت ساحة تعددية لكل الأفكار والاتجاهات. بل يمكن القول إنها بممارساتها، عبر الحركة الطالبية (وحركة الأساتذة) تخطّت الواقع اللبناني والعربي على غليانها، من حيث الممارسة الديموقراطية، والتعددية السياسية، والتوحّد النقابي.

ونظن أن قيام الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية في السبعينيات، من أكبر الإنجازات منذ الاستقلال. وَحّد الحركة الطالبية على برامج لتطوير الجامعة، والدفاع عنها، من حيث البرامج، ومستوى الأساتذة، والتعليم، والتربية، وإيجاد توازن بين الكليات النظرية والتطبيقية. آنئذ كانت الجامعة مقتصرة على الكليات النظرية كالآداب والتربية والعلوم، من دون كليات طب أو زراعة. بل وكانت الجامعة تشكو تبعثر كلياتها، فطرح بالإجماع كنقطة أولوية مطلب "المبنى الجامعي الموحّد" لتكون الكليات التطبيقية مرتبطة بالبيئات التي تخدمها (كالزراعة).

وقد تحقق ذلك في ما بعد (حقّق الرئيس الشهيد رفيق الحريري حلم الحركة الطالبية بإنشاء المبنى الموحد في الحدث. ولكن ماذا حلّ بهذا المبنى اليوم: تعتير!).

"الاتحاد الوطني" والإنجازات
ولعلّ تأسيس الاتحاد الوطني الذي وحّد الحركة الطالبية في إطار شبه نقابي، أعطى زخماً لحركة مطلبية شاملة، وأداة ضغط مكتملة ومتضامنة متراصة على المسؤولين الذين لم يكونوا كلهم يريدون هذه الجامعة أن تكتمل أو حتى أن تكون، لا سيما أهل النظام في تلك المرحلة. والكل يتذكّر سلسلة الإضرابات التي انطلقت، والتظاهرات، والاشتباكات مع قوى الأمن، وسقوط الجرحى، والدخول الى السجون، والقمع. كل ذلك كان ينطلق من حركة ديموقراطية نقابية، مؤسسة على انتخابات كانت تتم على صراع (أو تنافس) فكري وإيديولوجي وسياسي (أي لا طائفي)، من أقصى اليسار الجديد (منظمة العمل الشيوعي، التروتسكيون، الماويون) الى اليسار التاريخي (الحزب الشيوعي والحزب التقدمي الاشتراكي)، فإلى الاتجاهات القومية (الحزب السوري القومي الاجتماعي، والناصريين، والبعثيين)، والقومية اللبنانية، فإلى الليبراليين واليمينيين (الكتائب، الأحرار، الكتلة الوطنية)، فإلى اليسار غير الماركسي (حركة الوعي)، كل هذه الأحزاب والحركات تنافست في انتخابات حرّة نزيهة، لتشكل قيادة الاتحاد الوطني المستقل، والمعبّر عن الحركة الوطنية، والأداة النقابية والوطنية لتحقيق المطالب ووضع برامج العمل. ويمكن هنا أن نشير الى مكسب المشاركة الطالبية في صلب مجلس الجامعة في الاجتماعات والقرارات، بحيث صار للطلاب الموقع المتقدم في السياسة التربوية والثقافية.

ومن خلال الوسائل السلمية وبقيادة هذا الاتحاد، والالتزام الشامل بمقرراته من قبل كل المكوّنات، تم تحقيق أمور كثيرة: 1) استقلالية مجلس الجامعة، 2) استقلالية السياسة التربوية، 3) تعيين الأساتذة على أساس الكفاءة والمستوى (وليس على أسس العلاقات والطائفية والإرادات السياسية)، 4) إنشاء مكتبات عديدة في الكليات، 5) إنشاء مختبرات حديثة، 6) زيادة المنح التخصصية الى الخارج المرتبطة بنتائج الامتحانات لا الوساطات، 7) زيادة منح كلية التربية وجعلها على 12 شهراً، 8) إنشاء بعض المطاعم الجامعية بأسعار مخفضة، 9) تفعيل مجالس الكليات عبر مشاركة فروع الاتحاد فيها، 10) بناء كلية العلوم التي كانت طليعة الكليات في الشرق العربي، 11) حرية الحركة الثقافية والندوات والاحتجاجات والانتماءات السياسية…

لم يتحقق كل هذا تلقائياً، وإنما انتزع انتزاعاً، وبفضل الحركة الطالبية الموحدة. وهنا لا بد من التركيز على أن هذه الحركة (مع شقيقاتها في الجامعة العربية، واليسوعية، والأميركية) تجاوزت الطوابع المطلبية (النقابية) الى ما هو ثقافي وسياسي، وهنا بالذات نقول إن المناخ الديموقراطي التعددي في هذه الجامعة الوطنية، عزّز نمو الأفكار النقدية والفكرية والأدبية والسياسية: وهنا بالذات نقول إن جامعتنا الوطنية كانت "مصنعاً" ثقافياً وفكرياً أحدث تحولات جذرية سواء على مستوى الأفراد أو الأحزاب.. فدينامية الثقافة في الكليات وحيوية التفتح، والاحتكاك بين الحساسيات والمذاهب الأدبية والإيديولوجية، والاختلافات في المواقع والأفكار حتى التصادم أحياناً (التصادم الفكري)، كوّنت بيئة غنية وخصبة، بيئة متنوعة، هي أكثر من مرآة للواقع اللبناني، بل نافذة وتخط: هذا الخليط الغني من الخيارات السياسية والثقافية والحزبية أكسب الجامعة (بطلابها وأساتذتها) مناعة كبرى، بحيث أنها باتت تؤثر في الواقع الاجتماعي عبر التفاعل به، بقدر ما تتأثر به.

بمعنى آخر لم تكن الجامعة اللبنانية مجرد مرآة للأحزاب، والطوائف، السائدة (حتى ولو كان معظم الأحزاب المتواجدة فيها امتدادا للأحزاب اللبنانية)، ولا حتى مجرد صدى للحركة الثقافية الحداثية، والحساسيات الجديدة، بل جزء من فاعلية وإرهافات طازجة، ساهمت في إثراء الشارع الأدبي والفكري والسياسي. وهذا مهم لأن الجامعة لم تكن لا من موجودات السائد، ولا من متعلقاته، ولا من نوافله، ولا من مستتبعاته: كان لها "الحرم" والاحترام، وكان لها الاستقلالية، والتأثير، والوقع، أي كانت جزءاً من فورة فكرية، وأدبية، جعلتها في قلب الحدث الثقافي (والنقابي). ولهذا نجد طلاب الجامعة اللبنانية آنئذ يجمعون بين المستوى الأكاديمي والتعليمي العالي، وبين المستوى الثقافي الحي، وبين المستوى النقابي المتقدم، وبين المستوى الوطني وهذا بالذات ما جعل كثيرهم متفوقاً، ومبدعاً، وقائداً، وطليعياً، في مجالات الشعر والإعلام، والصحافة، والرواية، والمسرح، والنقد، والعلم والسياسة.. لم تخرج الجامعة اللبنانية مجرد تكنوقراط (كما بعض الجامعات الخاصة)، وإنما خرّجت مواطنين مهووسين بالتغيير، وبصناعة الواقع، وصوغ مستقبل يكون في مستوى أحلامهم. كانت الجامعة اللبنانية مساحة للحالمين، والمثاليين، وعشاق الحرية، والديموقراطية، والثورة، والتجاوز، ورفض البنى المتحجّرة…

كانت الجامعة منذ أيام فؤاد افرام البستاني، وإدمون نعيم، وجورج طعمة… كانت جامعة، بل في مقدمة الصروح التعليمية، وهذا اكتسب بفضل نضالات الحركة الطالبية وتضحياتها ووعيها واستقلاليتها. إنها الجامعة التعددية أنجبت طلاباً، تعدديين. وكما قلنا، كان لكل فريق حلمه الصغير المتواضع أو الكبير أو المثالي وحتى المستحيل، وهذا يعني أنها كانت حضناً رحباً للحالمين، وللشغوفين، والولوعين ومجانين الإبداع والانخراط في القضايا القريبة والبعيدة. فالطالب كان طالباً مواظباً، وفي الوقت ذاته سياسياً ونقابياً، وطنياً وعروبياً وعالِمياً: كأن كل واحد من هؤلاء كان يحمل همّ العالم على كتفيه؛ من فيتنام، الى أنغولا الى الصين الى الأميركان والسوفيات… ومصر وسوريا واليمن وفلسطين… كان جزءاً بتعدديته من القضايا الساخنة، والجدالات الفكرية، والإيديولوجية.

وإذا قصدت مقاهي الكليات، كنت تجد أن كل طالب كان يتأبط "جريدته" أو مجلته أو كتابه، من جرائد محلية الى عالمية. واحد يتأبط "الغريب" لكامو، وآخر "أفيون المثقفين" لجان أرون، وآخر "الكتاب الأحمر" لماو، وآخر أحد مؤلفات أنطون سعادة، وآخر ديوان شعر لأراغون أو ناظم حكمت أو الديار، أو بدر شاكر السياب أو أدونيس أو الياس أبو شبكة أو خليل حاوي أو أنسي الحاج أو سعيد عقل… كان هناك قارئ، وفضولي، ونهم في الاطلاع. لم يكن يقتصر على "منهج" الدراسة فقط بل يسعى الى تكوين ثقافته الخاصة… هذه التعددية الخصبة جعلت من هذه الجامعة البؤرة الثقافية الأثرى في لبنان، ومحطة إشعاع أدركت كل لبنان، من الطلاب الثانويين وحتى التكميليين، وصولاً الى معاهد المهن، فالجامعات الأخرى، مما أدى وفي مناسبات عديدة الى ما يشبه اتحاد الجامعات في لبنان، في قيادة مفتوحة، نظمت تظاهرات كبرى، أضخمها تلك التي انطلقت من اليسوعية الى مجلس النواب وضمت قرابة 70 ألفاً… تلك التي توجهت الى المطار وقمعتها قوى الأمن قبل وصولها..إلخ.

بداية الحروب.. والتقسيم
إذاً كانت جامعة رائدة بمستوياتها التعليمية وبنضالاتها، وبمحوريتها، وبمناخاتها الحية… كانت آنئذ منذ منتصف الستينيات والسبعينيات زمن الجامعة اللبنانية بامتياز. مع هذا تعرضت لحملات مركزة من قبل جهات حزبية كانت تعتبر أنها "جامعة الزعران" و"الفوضى"… بل أكثر: عندما اندلعت الحروب في لبنان راح بعضهم يحمل الحركة الطالبية مسؤولية اندلاع الحروب، لأنها في رأيهم "عممت" التمرد، والأفكار المتطرفة، ومواجهة الدولة(!).
هذا الكلام طبعاً مردود، لأن الحرب كانت انقلاباً على إنجازات الجامعة الوطنية السياسية والديموقراطية والثقافية والتعليمية والاجتماعية. وتقسيم الجامعة لم يكن بأقل فداحة من تقسيم الجيش اللبناني على أساس طائفي، أو خلق خطوط تماس، أو "جمهوريات"، أو كانتونات مذهبية. ويا للأسف، فالطلاب الذين صنعوا بنضالاتهم هذه الجامعة، انخرطوا في قرارات أحزابهم بحمل السلاح والمشاركة في مؤامرة التقسيم، والتفريع، وتدمير المختبرات، وتحويل بعض الكليات متاريس ومواقع عسكرية.

انخرطت الأحزاب العلمانية والقومية واليمينية في مشروع طائفي، قضى على كل الإنجازات التي حققتها الجامعة. فبعدما كانت منارة الاختلاف والصراع الفكري، وكان اتحادها نموذجاً في الالتزام النقابي والاستقلالي، ها هي تتحول فريسة الأحزاب الميليشيوية المذهبية، والأحادية والغيتوية والعنف. فقسمت بالقوة الجامعة التي بنيت بالديموقراطية. ألبست ثوب الميليشيات الجامعة التي تطوّرت بنضالها المدني. غلّفت بالمذهبية الجامعة التي ناضلت من أجل مجتمع مدني، علماني وانتهى معها دور "الاتحاد الوطني"، صار تابعاً حزبياً هشاً، وطرفاً عنيفاً: انتزع من الجامعة كل أدوارها الطليعية والوطنية والسياسية والثقافية: فروع في "الشرقية" تحت هيمنة ميليشيات "الشرقية" وأخرى في "الغربية" تحت هيمنة ميليشيات "الغربية". إنه التقسيم. وما زال موجوداً حتى الآن.

ولهذا قلت في بداية المقال كأنني وقفت على أطلال جامعة. على ركام ناس. على حطام تاريخ. على بقايا أحلام كبرى. وعندما أتذكر وبحنين ما بعده حنين تلك المرحلة، وأرى، اليوم، ما آلت إليه الجامعة، ينتابني هذا الغضب، لأصرخ "ماذا فعلتم بجامعتنا الوطنية يا أبناء الأفاعي؟ حولتموها الى سوبرماركت مذهبية، وهياكل تجارية، ومساحات لإنتاج الجهل والتعصّب والاستلاب والموت الداخلي ومعاداة العلم، ومحاربة التنوير، وإلغاء الاختلاف".

أي جامعة هذه يعيّن رئيسها حزب طائفي أو مرجعية حزبية؟ أي جامعة هذه موزعة توزيعاً مهيناً في المناطق، وكأنها دكاكين لهذا الحزب أو تلك الحركة؟ ماذا فعلتم بجامعتنا الوطنية يا أبناء الظلامية، أتكون جامعة عندما تبعثر؟ أتكون وطنية عندما تتعصب؟ أتكون لبنانية عندما تتمذهب؟ أتكون عربية عندما تتقوقع؟ أتكون حديثة عندما يديرها الظلاميون والماضويون والقرون وسطيون وورثة القتل والعنف والمجازر والاميون وأهل الجهالة والجاهليون؟ أين ادمون نعيم؟ هل تراه اليوم، في مسيو شكر الذي فرض فرضاً ليكون رئيساً؟ أين جورج طعمة وفؤاد افرام البستاني، هل تراهما اليوم في حسين، هذا الذي يجهل العربية جهله أي لغة أجنبية، لقاء مكافأة له على "خيانته" السياسية؟ أترى هل راعى هؤلاء "الأبطال" و"الممانعون" (ممانعو المعرفة والتنوير والمستقبل والديموقراطية والسيادة) أي قيمة علمية، أو أي مواصفات أكاديمية في هذا الرجل الذي قفز من انتماء الى انتماء لقاء وعود له بتعيينه "وزيراً" ثم عوّض عنه برئاسة الجامعة اللبنانية! أمضرب عصا هذه الجامعة؟ فرع من حزب الهي أو فقهي أو بعثي؟ (أخبروني انهم منحوا رستم غزالي دكتوراه برتبة متفوق، وحضر عندها المناقشة كبار أساتذة الجامعة وعمداؤها وضباطها ورؤساؤها!) للوقوف على عبقرية هذا المنجز العلمية وأخبروني انهم يسرّبون الأسئلة الى أنصارهم ليتفوقوا بالجهل وبالتزوير.

وأخبروني ان بعضهم ومن شدة ايمانه اشتبك مع آخرين "أشد منه" ايماناً على "مصلى"! من يصلي هنا أو هناك! والله جامعة اتقياء وورعين ومؤمنين، أولم تقع جامعتنا في قبضة الحزب الالهي، والاحزاب الأخرى! وها هي تريد ان تخرّج فقهاء أكثر مما تريد ان تخرج "علماء وباحثين" بل كأنها في بعض فروعها جامعة الحزب الواحد، والغياب الواحد، والفكر الواحد، والطالب الواحد، والتخلف الواحد، والانتماء الواحد، والارتهان الواحد، والصوت الواحد: لا برامج عمل، لا رؤيا، لا محاولة للنضال لتحسين الجامعة، لا نقد لمستوى الأساتذة، أو البرامج أو التخرّج، أو المباني، أو المختبرات. لا شيء! فالاحزاب التي تسيطر على الجامعة، طلاباً ورئاسة جامعة ومجلس جامعة وأساتذة ودكاترة… وموظفين هي في طبيعتها وتكوينها ضد فكرة جامعة واحدة علمية عقلانية منفتحة مستقلة ولها دور مدني وابداعي وحداثي وتوحيدي: يريدون جامعة تشبه الكانتونات المغلقة، وتكون تعبيراً عن طبيعة هؤلاء، بتبادل الالغاء، والمحو، وانكار الآخر، وتشويه الثقافات الطليعية والمستقبلية. يريدون جامعة تكون أداة طيعة بايديهم (كالاتحاد العمالي العام في عهد غسان غصن)، مسيّسة، مرتهنة، بسلطتهم وتخدم "ايديولوجيتهم "العنفية والظلامية المقتلعة من واقع البلاد. يريدون جامعة لا دور لها سوى خدمة أغراضهم ونفوذهم ومحاصصتهم وأهدافهم. جامعة مقتلعة مُستلبة، معسكرة، مؤدلجة، مقولبة، منتهكة، مستضعفة، خاوية، احادية، يكون فيها الفقه محل الفلسفة واللاهوت محل العقل، والمذهبية محل الانتماء الوطني، والكانتونية محل المواطنية المفتوحة، والشعارات محل الثقافة، والماضي محل الحاضر والمستقبل، والجهل محل العلم.

نعم! جامعتنا (بل مجموعة المباني والشقق التي تسمى كليات) المتماهية بقوى الأمر الواقع (كما كانت بفروعها أثناء الحرب) كأنها بما آلت إليه، جزء من حروب أهلية دينية تقسيمية غير معلنة. أكثر، ابقاؤها على حالها الراكدة، المصادرة، جزء من المؤامرة الكبرى على دور لبنان الحضاري والابداعي والفكري، بل جزء من انهاء ذلك الدور النهضوي، العربي، العالمي، التنويري الحداثي، المنفتح على العصر بتقنياته واجتراحاته وأفكاره، جامعة لا تصنع نفسها، بل تصنعها مرجعيات التخلف. جامعة تنقض كل يوم ما حققته الجامعة الوطنية ما بين الستينيات ومنتصف السبعينيات. ان جامعة تتحكم بها حركات واحزاب مذهبية مرتبطة بالطغاة والدكتاتوريات… لن تكون سوى جزء من مشروع هؤلاء: الارتباط بوصايات الظلامية وبفقهاء العنف، ولاهوتيي الخراب.

"كافيتريات" تعبق حرية وثقافة
"كافيتريات" الجامعة اللبنانية كانت أمكنة خاصة في جامعة خاصة، وفي مناخات ثقافية وتربوية وسياسية لبنانية استثنائية. كانت جزءاً موصولاً بمناخات "الزمن الجميل" آنئذ. بل كأنها كانت مجموعة "بيروتات" ومقاهي بيروت، تختلف بين كلية وكلية. ففي التربية (اليونسكو) تميّزت الكافيتريا بخليط من الأجواء الثقافية والإيديولوجية والفنية واللقاءات اليومية المكتظة. العنصر الثقافي كان الطاغي سواء من النواحي الفكرية أو الأدبية وحتى السياسية. وتتذكر أن كل طالب كان يتأبط جريدته أو مجلته أو كتابه. وظهراً ترى الطاولات مليئة بالأوراق، وبالأغلفة، وبالبيانات، والكتب. هذا يحب سارتر ويحمل "الغثيان" أو "دروب الحرية"، وذاك الشيوعي يلوّح "بالنداء" أو "بالأخبار" أو "ما العمل" او بديوان نيرودا… وذاك الليبرالي يعبر عن تفضيله المفكر جان أرون على سارتر. والقومي السوري في يده "صباح الخير" أو "البناء".. من دون أن ينسى بعض مؤلفات أنطون سعادة. وتلك الفتاة تسحب من حقيبتها قصائد ماو تسي تونغ أو "كتابه الأحمر"، أو تروتسكي، وذاك الناصري أمامه على الطاولة كتاب لعبدالناصر… كان لكل حلمه يحمله في المقهى الأرضي، ليحتدم النقاش هنا حول الحكومة أو حول ممارسات ذلك الحزب، أو ذاك النظام فتسمع: "الليبرالية ترقيع للنظام"، أو الحزب الشيوعي رسمي وقديم، ليرد هؤلاء اليسار الجديد (منظمة العمل الشيوعي) طفولي، من دون أن ننسى الكلام على القضية الفلسطينية والناتو والاتحاد السوفياتي، وفييتنام… وصولاً الى ليوفيري أو جاك بريل أو جورج براسينز أو فيروز أو أم كلثوم أو الشيخ إمام… أو لوركا أو مجلة "شعر" أو "الآداب"، أو ملحق "الفيغارو"… كل هذا كان ينفجر بكل حيوية ليعبّر عن تلك التعددية التي كانت تتجاوز حتى الشارع الثقافي الطليعي. وهل ننسى "أسعد" وشقيقه جوزف صاحبي المقهى؛ أسعد الشخصية الطريفة السمراء والذي عندما كان يتشاجر وشقيقه جوزف (العصبي) نسمع تدركب الطناجر وتكسر الصحون في المطبخ… وعندما تتذكر ترى "الجو بوكس" والربع ليرة! والأسطوانات التي كانت تطلب أحياناً للفت نظر طالبة من طالب: فيروز "يا طير" و"شايف البحر شو كبير"، أو أم كلثوم "أنساك" أو "أنا في انتظارك"… أو جاك بريل "لا تتركيني" "Ne Mequitte la" أو براسينز (صديق اليساريين) أو أزنافور "لابويم" أو "hier encore"..

كانت الأغاني أحياناً "إشارة" أو تحية، أو رسالة غرامية حيث قصص غرامية ولوعة وفراق وبعدها أحياناً زواج!

في كلية الحقوق تختلف الأمور. الأجواء السياسية أطغى. لكن الكافيتريا التي تقع في أقصى الجنينة التي يرعاها نجم الكلية "أبو عبود"، تغص خصوصاً بعد الظهر، حيث يحتشد الطلاب في الساحة الجميلة المشجرة والفسيحة التي تجاور "جنينة الصنائع" التاريخية.

ولأن كلية الحقوق كانت تضم ألوفاً (من دون مسابقة دخول)، ومن مشارب مختلفة، طلاب وموظفين يدرسون الحقوق، فإنها كانت خليطاً غريباً، من الصعب أن تحدد معالمها كما في "التربية" أو في كلية العلوم مثلاً. ولهذا كان المقهى يشبه هذا الخليط؛ لكن ما كان يطغى في التربية مثلاً من عنصر ثقافي وأدبي وفني، يبرز في منحى آخر: سياسي واجتماعي. ففي التربية كان هناك "ناد للسينما"، يعرض فيه كل أسبوع فيلم، ويأتي ناقد سينمائي ويناقش مع الحضور المكتظ جوانب ذلك الفيلم. بل كان هناك "لكل مخرج أو نوع أسبوع" "أسبوع أفلام الروسي أنزنشتاين" أو الفرنسي" "تروفو" أو المصري يوسف شاهين…

في الحقوق بدت الهموم أخرى. وأجواء الكافيتريا أخرى. والقوى السياسية أخرى!

ولكن كافيتريا كلية العلوم، في مبناها الجديد (وهنا نستذكر عميدها حسن مشرفية. هذا المناضل الكبير). كانت بعيدة نسبياً عن العاصمة. لكن الكافيتريا كانت واسعة وأنيقة وجميلة. ومع وجود حركة طالبية (حزبية) متنوعة وغنية وحيوية، فإن الأجواء تختلف عما نألفه في "التربية" و"الحقوق". كأنها تجمع بين دقة الحضور في التربية، واتساعه في الحقوق، أو بين مواظبة الأولى ورجرجة الثانية. فهناك صرح علمي خالص: مختبرات، كيمياء، فيزياء، رياضيات… إذاً أنت أمام كلية "اختصاصية" كالحقوق.. لكن تبدو "المواظبة" والمتابعة والملاحقة أكثر جدية. لكن هذا لا يمنع كون كافيتريا العلوم "ملاذاً" جميلاً، للطلاب، يختلط فيه النقاش السياسي بالعلمي، من دون أن ننسى "الجوك بوكس" أيضاً، وما يحمل من أذواق، ومن إشارات، ومن علاقات! بالطبع كان هناك "كافيتريات ثانية في "الإعلام"، "إدارة الأعمال" لكن كليات "التربية" و"الحقوق" و"العلوم"، وبسبب خصوصياتها، بدت وكأنها المعبّرة عن تلك الأزمنة الجميلة… زمن الثقافة والجرائد والكتب والنقاش، (وحتى الزجل)، والمناكفة، كانت تلك الكافيتريات وكأن الوجوه الأخرى للصفوف والدروس على المقاعد وأمام الأساتذة. كانت الامتداد الأرحب للشارع السياسي، والثقافي، والاجتماعي والإنساني.

كانت كل كلية تحمل سر طلابها! وما كان أجمل من تلك الأسرار!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل