كلمة النائب عمار حوري في مؤتمر مصالح المهن الحرة – معراب:
ما العلاقة بين المهنِ الحرة عموما وقضيةِ الوطن الحر؟
وما العلاقة بين طب الأسنان والوطن وحريته ؟
أيها الأحبة
حين وصلتُ الى لحظة اتخاذ قرار الاختصاص الجامعي قررت بداية التوجه الى الأدب العربي أملا في الوصول الى الدكتوراه في شاعر العرب الأول ابي الطيب المتنبي الذي مثّل لي ولا يزال رمزا من رموز الحرية والشهامة والاعتزاز بالمثل العليا، ولكن وفي نفس الوقت كنت أبحث ولا أزال عن بُعدٍ موازٍ لهذه المعاني في الدقة وحسن التشخيص والنجاح من خلال اتقان العمل في الوصول الى النتائج المفيدة والمثمرة فذهب قراري باتجاه طب الفم والأسنان.
ألم يقل الكتاب المقدس "في البدء كانت الكلمة"، وكذلك، ألم يقل القرآن الكريم "إقرأ"، وهذه الكلمة وهذه القراءة يُعبّر عنها انطلاقا من الفم والأسنان.
ومع استكمال دراسة طب الأسنان وجدت أن لا فرق بين سوس ينخر سنا أو ضرسا وبين آفات تنخر وطنا وشعبا ومؤسسات، فكلاهما مرض، ووجدت أن لا فرق بين التشخيص الناجح للعلاج في طب الأسنان، وبين انجاز برنامج لمعالجة قضايا الوطن، ففي الحالتين مطلوبٌ خطة عمل، وفي الحالتين يصلح قول الشاعر:
لا يُلام المريضُ إن لقيَ الموتَ ولكن يُلامُ فيه الطبيبُ
ووجدت ثالثا أن لا فرق بين خلع السن في حالات استعصاء العلاج الآخر وبين خلع بعض المفسدين والمتواطئين على الوطن من مواقعهم، ففي الحالتين نضطر لحلول جذرية حاسمة تحت سقف الأطر القانونية والشرعية، ووجدت أخيرا أن لا فرق بين متابعة استقرار صحة الفم والاسنان لمطلق انسان بدقة وعلمية، وبين التمسك باستقرار الوطن والمحافظة على أمنه وأمانه بصدق وجهد واخلاص والتزام وطني، ففي الحالتين القضية مسؤولية اخلاقية والتزام لا يمكن التنازل عنه.
من بوابة طب الأسنان دخلت الى الحقل العام، من خلال عضوية مجلس أمناء وقف البر والاحسان ومجلس جامعة بيروت العربية ومجلس كلية طب الاسنان فيها، ورئاسة الاتحادين اللبناني والآسيوي للشطرنج، ورئاسة رابطة أطباء الاسنان في بيروت، ثم كنائب نقيب لأطباء الأسنان في لبنان، وعضوية مجلس بلدية بيروت، وعضوية العديد من الجمعيات والمؤسسات والتي رافقها صدور ونشر عدد من الكتب والدراسات والمقالات لي تراوحت بين الشعر والدستور وطب الاسنان والقضايا الوطنية، وصولا الى دخول الندوة النيابية عام 2005 للمرة الأولى وعام 2009 للمرة الثانية، ومن خلال هذه العضوية البرلمانية كعضو في لجنة الصحة وفي لجنة الشباب والرياضة وكمقرر للجنة الإعلام والاتصالات.
وكما لاحظتم ايها الأحبة شكّل طب الأسنان كمهنة حرة بالنسبة لي بوابة دخول حقيقية للمساهمة في رؤية وطن حر، وتفاعل عندي كل هذا المخزون المتراكم مع زملاء ومناضلين في تيار المستقبل وفي قوى 14 آذار باتجاه تمسك راسخ بوطن حر خاصة مع رؤيتنا جميعا لمن يتساقطون على مذبح الحرية كشهداء ويعمّدون بدمائهم المسيرة فرأينا رفيق الحريري يسقط شهيدا ثم رأينا استشهاد سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام عيد وكثيرين، ورأينا الشهداء الأحياء مروان حمادة والياس المر ومي شدياق. فكان لا بد من محكمة لحماية مستقبل الحياة السياسية في لبنان من خلال منع استمرار الجريمة السياسية ولذلك كانت المحكمة على قياس الجريمة وليس على قياس المجرمين.
وطنٌ حر لا يقوم في ظل خطف البعض لمجلس الوزراء او اعتكاف البعض الآخر، ولا يقوم مع احتلال وسط بيروت ومحاصرة السراي أو معمل الزهراني، ولا يقوم في يوم ثلاثاء اسود ويوم خميس اسود، ولا يقوم بصورة مار مخايل، وغزوة بيروت والجبل في 7 أيار، وقتل ضباط الجيش، ومنع القوى الأمنية من دخول مناطق في ضواحي العاصمة والجبل وعدد من المناطق، ولا يقوم على صورة ما حدث في عائشة بكار وبرج ابي حيدر، ولا من خلال العراضات العسكرية في المطار، ولا يقوم من خلال قمصان سود، وانقلاب يجعل الحكومة تنأى بنفسها عن الوطن وقضاياه وقضايا الشعوب ويجعلها تقف ضد الربيع العربي، بل إن الوطن الحر في لبنان يقوم على ما اتفقنا عليه في ميثاق الطائف حول نهائية لبنان ككيان سيد حر مستقل، وعروبته، ووحدة أرضه وشعبه، وديمقراطيته وتعدده، والتزامه بميثاقي جامعة الدول العربية والامم المتحدة وبإعلان حقوق الانسان، ومن عيش واحد مشترك، ومن احترام الحريات العامة.
بمعنى آخر فإن الوطن الحر الذي نريد يعتمد على دولة تمثل مجموع مصالح مواطنيها، دولةٍ آمنة وليست دولة أمنية، وحين نضطر لمقاومة ضد العدو الاسرائيلي تكون سرية بلا عراضات وتحت أمرة الحكومة اللبنانية وبإجماع من كل الوطن وليس بنصف إجماع. ليس سرا أن بعض شركائنا في الوطن يعتمد اسلوبا ممجوجا يقوم على افتعال وضع ثم التذرع به، والبعض الثاني يريد أن يقاتل على طريقته فيغير خطط النجاح الى خطط محكومة بالفشل، والبعض الثالث يذكرنا بأن الأرقام لا تكذب بل إن بعض الكذابين يرقمون.
أيها الأحبة، في مسيرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري تعلمنا منه أن أفضل سبيل للتغلب على الصعاب اختراقُها، وان من يملك الارادة يمتلك القوة، وأن الواثق من نفسه يقود الآخرين.واذا قلت له لا أقدر، قال لي بابتسامته الواثقة، حاول، وإن قلت له لا أعرف قال لي تعلم، وإن قلت له مستحيل قال لي جرب، واجعل المثابرة والتجربة مستشارك الحميم، والحذر أخاك الأكبر، والرجاء عبقريتك الحارسة.
فما من أحد أكبر من وطنه، والحرية لا تنتظر أحدا، بل على كل واحد منا أن يذهب اليها فحيث تكون الحرية يكون الوطن.
تعلمت أن الابتسامة لا تكلف شيئا ولكنها تعني الكثير، ابتدأت هذه الابتسامة مع طب الأسنان وانطلقت أملا بوطن حر سيد مستقل، فالمهنة الحرة موعدها وطن حر.