في الحقيقة، يا اخوان، قد لا تكون الهندسة المدنية التي درستها ونلت الاجازة فيها من جامعة تكساس في اوستن (الولايات المتحدة الاميركية)، هي الباب المباشر الذي دخلت منه الى السياسة، لكنها ربما كانت جواز سفري الى عالم رفيق الحريري، ومعه الى عالم السياسة.
معرفتي برفيق الحريري تعود الى 34 سنة. كان ذلك في العام 1974، ولم تكن الحرب بدأت، عندما التقيته لمرة الأولى في بيروت، من طريق قريب له وصديق مشترك. كنت متخرجاً حديثاً من كلية الهندسة في جامعة تكساس، وكنت بدأت العمل في شركة كبيرة، لكن رفيق الحريري عرض عليّ العمل معه في شركته للمقاولات في المملكة العربية السعودية.
في تلك المرحلة، كان رفيق الحريري لا يزال مقاولاً عادياً، ولم يكن من المنطقي أن أترك الشركة المهمة الى مغامرة مجهولة المستقبل والأفق. ومع ذلك، شرح لي أن العمل مع شركة صغيرة حديثة الإنطلاق له ايجابيات كثيرة، فمجال التقدم فيها مفتوح ومتاح. وقال لي: إذا نجحت الشركة تنجح معها، واذا كبرت تكبر معها، أما اذا فشلت فتكون اكتسبت خبرة اضافية، ولا خوف عليك لأن العمر أمامك ولديك ما يكفي من المؤهلات العلمية لتعوّض وتنطلق مجدداً.
أقنعني، بالفعل، بان العمل معه يستحق المخاطرة. يومها، لمست للمرة الأولى فيه موهبة المفاوض البارع في الاقناع، وشجاعة المغامر الواثق بنفسه وبقدراته، المتيقن من نجاحه، والقيادي الذي يحفّز العاملين معه، ويبثّ فيهم الحماسة والاندفاع لاعطاء أفضل ما يملكون.
في بدايات رحلتي، عملنا في ظروف بالغة الصعوبة. في تلك الحقبة، منتصف السبعينات، حصلت الطفرة النفطية، وارتفعت اسعار مواد البناء بشكل جنوني. مقاولون كثر أوقفوا العمل، وتخلّوا عن التزاماتهم، لكنّ رفيق الحريري تصرّف على نحو مختلف: أصرّ على اتمام المشاريع التي كان تعهدها، ولو بالاسعار القديمة، واستمر في تنفيذ التزامته مع أن احواله المادية لم تكن تسمح بذلك. خسر بعض المال، مرحلياً، لكنه ربح ثروة للمستقبل: ثقة الناس به. وكالعادة، كان قراره وخياره وطريقة تصرفه درساً في المسؤولية والالتزام، وهما صفتان أساسيتان من صفات الناجحين.
وفي أواخر العام 1977 فتحت ابواب الخير في وجه رفيق الحريري، وبدأ اسمه يلمع في عالم الأعمال والبناء. بدأ يكبر، وبدأنا نكبر معه، أنا وغيري، كما كان يتوقع.
لكنّ الحريري كان أصبح، بالنسبة اليّ، أكثر بكثير من "ربّ عمل". فقد نشأت بيننا صداقة شخصية، وعلاقتي معه ومع عائلته تعدّت الصداقة، وارتقت الى مصاف الأخوّة. صرت أشعر أني جزء من بيته، وبات هو ينظر اليّ على أنّي أخ له وجزء من عائلته.
وهكذا، عندما بدأ يطل على السياسة منذ ما بعد الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982، كنت معه في كل خطواته ومساره السياسي، وصولاً الى مرحلة توليه السلطة.
وقبل أن يتولى رئاسة الحكومة للمرة الأولى في العام 1992، دخلت المعترك السياسي من باب الانتخابات النيابية، فخضتها في العام 1992 وفزت بالمقعد النيابي الارثوذكسي في الكورة. وأعيد انتخابي عن المقعد نفسه في انتخابات 1996 و2000 و2005 و2009.
وبين العامين 1995 و1996، توليت منصب وزير الاعلام في الحكومة التي ترأسها. ومنذ العام 2005، انتخبت نائباً لرئيس مجلس النواب، ولا أزال.
في الأصل اذاً، لم أهندس مسيرتي السياسية، بمعنى أنني لم أخطط لأدخل عالم السياسة، وربما لو لم تلتق طريقي مع طريق رفيق الحريري، لكنت الآن في مكان آخر، أمارس مهنتي.
ولكن، في المقابل، الاساسات كانت موجودة. فانا من عائلة كان لها دور في الشأن العام في منطقة الكورة. والدي كان من وجهاء المنطقة، وكان له وزن انتخابي يجيّره لمصلحة الراحل فؤاد غصن. كانت لدي اذاً الارضية، وكنت مؤهلاً للبناء عليها. كان ينقصني القرار، وعندما اتخذت القرار بمرافقة رفيق الحريري في مسيرته السياسية، بدأت أرصف الحجارة، وأعمّر حجراً فوق حجر، من خلال تفعيل الخدمات لأهل الكورة، وتعزيز حضوري بينهم.
وربما كان لاختصاصي، اي الهندسة، أثر بشكل ما على سلوكي السياسي:
– فأنا شديد التنظيم، أهندس أغراضي وملفاتي ووقتي وخصوصاً أفكاري بشكل مدروس جداً.
– وأنا أهندس تحركاتي ونشاطاتي واطلالاتي ومواقفي، بحيث تخدم الورشة العامة، أي الهدف الذي نعمل له كقوى 14 آذار، والبنيان الشخصي، اي حضوري السياسي على المستوى الوطني عموماً والكوراني خصوصاً.
– وأنا أيضاً، وبتواضع، أتقن هندسة المعارك الانتخابية، والتحالفات السياسية، واستعمل المواد المناسبة لكل حالة.
في الخلاصة، أنصح كل واحد منكم، وتحديداً المهندسين، بأن تستفيدوا من خصائص مهنتكم في عملكم السياسي.
وأعتقد أن انتماءكم الى حزب يتمتع بهندسة ديموقراطية وعصرية، حزب "القوات اللبنانية"، بقيادة مهندس سياسي حكيم، سيمكّنكم من أن تبنوا ناطحة سحاب سياسية ووطنية على أساسات صلبة، بحيث تساهم بفاعلية في بناء الدولة التي نحلم بها.
وشكراً.