#adsense

سركيس: علينا أن نعمل جميعاً على الانخراطِ في عملٍ سياسيٍ حر لا يتلقى تعليماتٍ من الخارج

حجم الخط

كلمة الوزير السابق المهندس جو سركيس في مؤتمر مصالح المهن الحرة في القوات اللبنانية – معراب:

"مهنة حرة لوطن حُرّ"

لأنَّ في طبيعةِ عملِ المهندس أن يتعاملَ بالأرقام، يعرفُ أن يختصر بالرقم كلاماً يوجزُهُ في بضعِ دقائقَ، يلخِّصُ فيها مسيرةَ حياةٍ حرّةٍ يعيشُها من مهنةٍ حُرّةٍ يقدِّمها في خدمة وطنٍ حر، يعيشُ فيه ومنه وله، ويعملُ كي يبقى وطنه حراً كسمائه الوسيعةِ على انتشار اللبنانيين في العالم.

إنَّ أُولى علامات حريتي المهنية هي اختياري الحر لمهنةٍ أزاولها منذ نحو 40 سنة، أثقَلَها الجهدُ والنضال، لكن أنارتها الحرية، فكانت زاخرة، وقُدِّر لي خلالها أن أنفِّذ مشاريعَ إنْمائيةً كبرى في القطاعَين العام والخاص، توَّجْتُها بِمشاركتي في إعادةِ إعمارِ لبنان بين 1992 و2004 عبر ورشةٍ رعاها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعَمّت معظمَ المناطق اللبنانية. وبعد انسحابي من القطاعِ الخاص إلى القطاعِ العام وزيراً للسياحة في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من 2005 إلى 2008 ووزيراً للزراعة بالوكالة، وبعد فترةٍ يعرفُ الجميعُ حراجَتَها وتقييدَ الحرية فيها، عدتُ إلى مهنتي في الهندسةِ والمقاولات، والتي لا أزال أزاولها بين لبنان والمملكة العربية السعودية وبعضِ دولِ الخليج.

لعلّ وجهاً بارزاً من حرّيّتي المهنية، حملتُه معي يومَ انخراطي بالنضالِ الوطنيِّ في صفوف "القوات اللبنانية"، منذُ مطالِعِها، فزادَهُ التفاعلُ فيها توهجاً وتمسكاً بالدفاعِ عن الحرّية، وغنمتُ فيها كيف يكونُ العملُ حراً لوطنٍ حر بالوصولِ إلى مواطنٍ حر يعرفُ كيفَ يكسبُ حريتَه وكيف يحافظُ عليها.

من قلبِ هذا النضال، جَهُدْتُ في قلب "القوات"، مسؤولاً لقطاع المهندسين، ثم منسقاً لمنطقة بيروت، فعضوا في الهيئة التنفيذية، بلوغاً، من كل هذا، إلى عضوية مجلس بلدية بيروت عاملاً على مشاريعَ إنمائيةٍ في العاصمة، بينها استصدارُ موافقة المجلس البلدي على إنشاء حديقة عامة باسم الطوباوي البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، في المكان الذي أقيم فيه القداس الذي حضره مئات الآلاف من اللبنانيين في وسط بيروت، ووصولاً إلى المقعد الوزاري ممثلاً "القوات اللبنانية" في الحكومة. وطوالَ كلِّ ذلك كان جهدي واحداً وواضحاً: أن أكون المواطن الحر الذي، من خلال مهنته الحرة ودخولِهِ الشأنَ العام حراً، يؤدي واجبَه الوطنيِّ على مبادئَ لبنانيةٍ واضحةٍ يعاندُ في سبيلها ويواجه الأخطارَ من أجلها، خصوصاً خلال سنواتٍ في الحكومة كانت مَحفوفة بالأخطار ومهدَّدة كل لحظة بالفواجعِ والمآسي.

مع كلّ ذلك، لم يَنْحَنِ لنا جبين، تماماً كأَرزتنا التي ترزح تحت أثقال الثلج وبين جنون العواصف، لا ينحني جبينُها ولا يهتزُّ جذعها ولا تتأَثّر جذورها، وتبقى راسخةً في أرض لبنان، مادّة أغصانها العملاقة فوق شعب لبنان، عالية الجبين صوب سَماء لبنان.

هكذا وعينا نضالنا في "القوات اللبنانية"، وهكذا عشناه ونعيشُه في مهنتِنا وإيماننا بلبنان الحر: جبينُنا عالٍ صوبَ الشمس، أيدينا ممدودةٌ صوب المواطنية الصافية، وجذورنا اللبنانية ترفُدُنا بعظمةٍ من تاريخنا المجيد، وتغذّينا لِمزاولة حاضرنا على ما يليق بمواطنيتنا اللبنانية العالية. فِكْرٌ علميٌّ هندسيٌّ منهجيٌّ من جهة، وفكر لبنانِيٌّ قواتِيٌّ صافٍ للبنان من جهة أخرى، وتتكاملُ الجهتان لاتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ في لحظاتٍ حاسمة، مبنيةً على تحليلٍ ثاقبٍ لوضعٍ صعب، وعلى إرادةٍ حرةٍ بمواجهة التحدّي الذي يواجههُ لبنان.

وختاماً: "مهنةٌ حرَّة لوطن حُر"؟
جميلٌ هو الشعار، لكنه يبقى خارجياً، لفظياً، تنظيرياً، إن لم يكن نابعاً من جُوّانيّة الذات وداخلِ الشخص وعمقِ الشخصية، وإن لم يُترجَم ممارسةً متشبثةً في المكانِ والزمان، ترسّخُ الحريّةَ كينونةً مصانةً أبدية، ونمطَ حياةٍ للجميع، لأن لا حرية إذا ما جُزِّأت بين الجماعة أو بين المفاهيم.

بذلك يمكن أن نُجابه أوضاعاً مؤلمةً حزينةً مأساوية، هجَّرَت مهندسين كثيرين من مهنتي، راحوا إلى بلدانٍ أكثر أمناً وأماناً، يسهمون في إعمار أوطانٍ ليست لهم لكنَّها احتضنَتْهم، وتركوا وطنهم الذي يحتاجهم كي ينهضوا به بنياناً بشرياً وإعماراً حجرياً وهيكلا للحرية في كل آن.

المهنةُ الحرة تنهضُ بالوطنِ الحر، وفيه علينا أن نعمل جميعاً على الانخراطِ في عملٍ سياسيٍ حر، لا يتلقى تعليماتٍ من الخارج ولا يستسلمُ للخارج ولا يستزلم للخارج، بل عملٌ سياسيٌّ نابعٌ من تكوين الشخصية اللبنانية، ويعملُ على ترسيخِ القدَرِ اللبناني، ويسعى إلى حرّيةِ الفردِ والجماعة في وطنٍ لا يعيش إلاّ على خبز الحرية.

هكذا تكون المهنة الحرة طريقاً في الوطن الحر إلى حريةٍ مسؤولة تأخذ من الوطن ترابَه فتحوِّله إلى ذهب المستقبل.

في "القوات اللبنانية"، هذا هو خُبزُنا، وهذه هي مسيرتُنا، وستبقى… فليتحرَّرْ بعدها كلُّ مواطن، إلاّ من إيمانه الأوحد بأن لبنان الحرَّ وحدَه هو لبنانُ أَبنائنا الذين سوف نسلّمُهم بعدَنا شعلةَ الحرية في لبنان، لتبقى مضاءةً ومرفوعةً الى الأبد.

وشكراً

معراب في 10 كانون الأول 2011

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل