كلمة الوزير السابق طوني كرم في مؤتمر مصالح المهن الحرة – معراب:
حين طلب مني المشاركة في هذه الندوة فكرت بالجوانب العديدة الممكن تناولها تحت عنوان عريض عام كمثل "مهنة حرة لوطن حر"، وبامكان التكرار في مضامين مداخلات المتكلمين الكرام خصوصاً وانه لم تلحظ محاور او مواضيع محددة يراد معالجتها او الاضاءة عليها خلال الدقائق القليلة المخصصة لكل مداخلة، فرأيت من الانسب حصر كلامي في نظرتي الخاصة عن الطبيب في عالم السياسة.
قبل الحرب اللبنانية وفي ظل جمهورية يافعة وطبقة سياسية غير مكتملة تقدمت الى الواجهة، ومن خارج النادي السياسي التقليدي شخصيات جلها من المثقفين او الوجهاء اصحاب المهن الحرة لا سيما اطباء برزوا في المجتمع واكتسبوا شعبية من خلال خدماتهم الصحية الاجتماعية، فكنت تقرأ في موسم الانتخابات البلدية او النيابية "انتخب الطبيب الانساني فلان".
وفعلا غالباً ما كان ينتخب هؤلاء الاطباء لرئاسة المجالس البلدية في قراهم او لتمثيل مناطقهم في الندوة النيابية.
معظم هؤلاء الاطباء استمر بعد توليه المنصب الرسمي في ممارسة مهنته بوتيرة اكبر من ذي قبل.
كما ان معظم هؤلاء الاطباء ادوارهم في الحياة السياسية بشكل معقول ومقبول بحسب المعايير السائدة وقتها، كالخدمات الفردية والواجبات الاجتماعية وبعض الانماء المناطقي المحدود.
اما اليوم ومنذ انتهاء الحرب فان هذا النموذج يكاد يختفي من المشهد السياسي، والطبيب المستقل سياسيا لا يمكنه الاختراق مهما كان انسانيا. ولا بأس! فمن اراد ان يتعاطى الشأن العام في خضم التحديات الكبيرة المطروحة حالياً، لا يمكنه ان يمارس السياسة وقت فراغه ولا ان يكون مستقلا بمعنى انه غير معني بما يجري من حوله على الساحة السياسية.
ان الاطباء، على الاقل في فريقنا السياسي اليوم، هم اما من الرعيل الاول الذي تطور مع طبيعة المواجهة، من النضال العسكري الذي فرضته ظروف فوق العادة فأدى واجبه بالدفاع عن الوطن والكرامة والاهل ثم بعد درئ الخطر المباشر تحول الى العمل السياسي الدؤوب لحماية الديمقراطية وبناء وطن حقيقي لكل ابنائه.
او من الرعيل الثاني الذي رأى ان افضل وسيلة للعمل السياسي الفعال هي الانتماء الى مجموعة سياسية ناشطة بتشارك معها نفس القيم والتطلعات فيرفدها بطاقاته ويساهم في تحقيق الاهداف المشتركة.
وكل طبيب اختار العمل السياسي مدعو بل ملزم بان يقدم للسياسة، وهي من اسمى ما يمكن للفرد ممارسته، ما يغنيها ويطورها من خلال اداء مميز وفضائل يفترض ان تكون مهنته اكسبته اياها.
فدراسة الطب وممارسته تبين للمرء عظمة الخالق وتواضع الخلق وتفضح زيف المظاهر، وتحث على البحث في العمق سعياً وراء الحقائق بدل التلهي بالقشور.
انها تفعل في البعض فعل النحات في الصخر الاصم، فتعيد تشكيل شخصيتهم لتعطيها بعداً انسانياً وحضارياً يضاف الى العلم والمنهجية فتتحول الشرنقة الى فراشة ويصير الطبيب حكيم.
لم تخطئ الفطرة العامية بالتسمية، ولم تخلط بين كلمتين ومفهومين اذ ان تقديرها الكبير لدور الطبيب ومكانته خصوصاً ان اختزن عصارة سنوات من العلم والخبرة جعلها ترفعه الى رتبة الحكماء.
انها وضعة تفرض على الطبيب الى جانب الصفات الاساسية الواجب توافرها في كل رجل سياسي من حسن السيرة والاخلاق الحميدة ونظافة الكف، سلم قيم عليه التقيد به في ممارسته للسياسة والمسؤولية.
كالتركيز على الفعل والانجاز والعمل الدؤوب بصبر ومنهجية. العمل كفريق وتجنب الشخصانية والتفرد.
نبذ المهاترات والدعاية الكاذبة والارتقاء الى التعاطي السياسي الحضاري المتزن.
التواضع وعدم الوقوع في فخ الغرور والنرسسية وحب الظهور.
هذه نماذج عن طريقة تصرف من هو مدعو ليكون قدوة في محيطه ومثلاً يُحتذى.
وعلى امل ان يفرز مجتمعنا العديد من الحكماء اتوجه بالدعاء ليوفقنا الله جميعنا للوصول بلبنان الى الوطن الذي نترجاه لجميع بنيه.