قارن نائب رئيس حزب "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان بين ممارسة مهنة المحاماة والعمل السياسي، فقال "ان خوض تجربة الجمع بين مهنة المحاماة وممارسة العمل السياسي في بلد يعيش ظروف طبيعية أمر عادي ويخضع لقواعد وأصول معينة، امّا أن تخوض هذه التجربة في سنوات الحرب وسنين الوصاية وأول سنين الاستقلال الثاني، فليس بالأمر السهل".
وشدد عدوان في افتتاح مؤتمر الأول لقطاع المهن الحرة في "القوات" تحت شعار "مهنة حرة لوطن حر" في معراب على انه "ليكون لبنان بخير نحن بحاجة إلى عودة دولة القانون التي ترعى عمل المؤسسات كما ترعى القضاء وممارسة مهنة المحاماة. وهنا المدخل يكمن في طريقة ممارستنا للشأن العام، هنا يكمن المدخل في ممارستنا للعمل السياسي وجعل أهدافه وغاياته بعيدة كل البعد عن المصالح والشخصنة والغايات والمنافع".
كلمة عدوان كاملة:
أيها الحضور الكريم،
إن تخوض تجربة الجمع بين مهنة المحاماة وممارسة العمل السياسي في بلد يعيش ظروف طبيعية أمر عادي ويخضع لقواعد وأصول معينة، امّا أن تخوض هذه التجربة في سنوات الحرب وسنين الوصاية وأول سنين الاستقلال الثاني، فليس بالأمر السهل.
وُجدَت المحاماة لحماية أغلى ما لدى الإنسان: حياته وماله وحريته. ويمكن القول أن أهم معوقات استقلال المحاماة هو انتهاك حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية وحكم القانون، فالتربة الخصبة لسيادة القانون وضمان استقلال ركني العدالة. القضاء والمحاماة هو وجود دولة قانون تحمي حقوق الإنسان منبثقة من ديمقراطية سليمة.
هنا يأتي دور العمل السياسي في بناء دولة القانون والمؤسسات وحمايتها وتطويرها. فمن المؤكد أن التزاوج بين مهنة المحاماة والسياسة هو الأكبر مقارنةً مع المهن الأخرى.
طبعاً هذا في المطلق، لكن في الحياة العملية نعيش الأمور بطريقة مختلفة، صحيح أن بين المحاماة والسياسة قواسم مشتركة لكن الظروف تجعل لكل إنسان تجربته.
ففي السبعينيات دخلت إلى مرحلة جديدة من حياتي بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، وتخرجت من الجامعة اليسوعية ونلت دبلوم دراسات عليا في القانون الدولي المقارن من جامعة ستراسبوغ، وبالتزامن كان الوطن يدخل في مرحلة مفصلية عشية الحرب التي عصفت بربوعه. فكان تدرجي في مكتب المحامي جورج جبر الذي عرف كمحام لامع ووطني كبير، يتقدم بالموازات مع تدرجي في المقاومة اللبنانية من خلال انضوائي في " التنظيم ".
فانا لم آتِ إلى السياسة من بابها التقليدي أو أكاد أقول الطبيعي فقد أتيت إليها من باب المقاومة وسيكون لهذا الأمر تأثير جوهري في أسلوب التعاطي في الشأن العام وفي السياسة كما في ممارستي لمهنة المحاماة.
أن تقاوم يعني أن تضع نفسك بخطر دائم من اجل وطنك وقناعاتك وهذا يجعلك لا تعتبر مقولة أن السياسة هي " فن الممكن" تعني الرضوخ إلى الأمر الواقع، بل أن تعتبر أن الممكن يكمن في قوة قناعاتك وإرادتك وصلابتك وبمثابرتك في إحداث التغيير المطلوب واستعدادك للتضحية. وهذا يعني أن تنعكس هذه الذهنية أو الروحية " Etat d’âme " على كل أفعالك وعلى حياتك.
لم أتمكن من تامين التفرغ الكامل لمهنتي أثناء الحرب نظراً لمسؤولياتي في القوات اللبنانية وفي الجبهة اللبنانية وكان لزملائي في المكتب كثير من الأحيان الفضل، وخاصة للأستاذ جورج جبر في مساعدتي في أعبائي المهنية، وقد فتحت أمامي كل الأبواب والمجالات أكان في لبنان أو في مجال القانون الدولي وكان بمثابة الأخ الأكبر المتفهم لطبيعة نشاطاتي الوطنية.
وقد طبعت ممارستي للشأن الوطني بطابع مهنتي من حيث حرصي الدائم على الحريات وعدم التدخل في القضاء أو حماية الجسم القضائي من ضغوط الحرب وكانت تجربة تحضير الدراسات المستقبلية لقيام الدولة (1981 – 1982) التي ساهمتُ فيها من خلال مجموعات الدراسات " Groupe Gamma " تجربة غنية لتزاوج العمل المهني والوطني.
كما كانت القضية الأبرز التي تتعلق طبعاً بحقوق الناس التي استطيع أن أقول أنني دافعت عنها بكل قدراتي وفي كل المحافل، فهي قضية المهجرين التي حملت لواءَها حتى عودتهم.
ووضعت الحرب أوزارها وكانت مرحلة ما بعد الطائف: ففي هذه المرحلة انصرفت بشكل أساسي إلى العمل المهني لأني اعتبرت أنه في ظل الوصاية يستحيل ممارسة العمل السياسي كما ارتاح لممارسته، لكن هذه الفترة أضافت إلى تجربتي المهنية وأكسبتني خبرة في التطلع إلى الشأن العام وأيقنت من متابعتي للشأن القضائي ولشؤون وشجون المهنة ولطريقة ممارسة المؤسسات الدستورية أين تكمن الشوائب وكيفية معالجتها وأيقنت طبعاً أن ممارسة المهنة وممارسة العمل السياسي لا يستقيمان إلا في ظل دولة القانون ودولة الحريات.
عايشت في تلك الفترة كيف سُخِرَ القضاء كوسيلة للضغط السياسي.
عايشت ممارسات الفساد والإفساد.
عايشت التدخل السافر في القضاء وفي تعيين القضاة وتحديد مراكزهم إنطلاقاً من ولاَئهم لا من معرفتهم أو كفاءَتهم أو خلقيتهم.
عايشت كيف كان مجلس النواب يسنّ القوانين وبعد أيام يغيرها.
عايشت سلطة تشريعية تشرع غب الطلب وتغيير تشريعاتها غب الطلب.
عايشت كيف ارتهنت المؤسسات والنفوس.
عايشت ظلامة أيام الوصاية وظلمها.
أدركت تماماً أن مهنة المحاماة لا تستقيم إلا في ظل قيام دولة القانون. فكان لا بد من أن تشكل هذه المرحلة من ممارسة المهنة قاعدة المعطيات لممارسة العمل السياسي بعد سقوط الوصاية.
وكانت ثورة الأرز في 2005 فرصة لقيام هذه الدولة – نعم رأيت فيها إلى جانب الاستقلال والسيادة والقرار الوطني المستقل والحر، فرصة لقيام دولة القانون. لاستقلالية واستقامة القضاء، لممارسة سليمة وخلقية ومهنية لمهنة المحاماة ولمؤسسات دستورية تعمل وفق الدستور والقانون. كما رأيت فيها فرصة لممارسة نمط جديد للممارسة في الشأن العام من خلال المساهمة في وضع الأسس لعمل مؤسساتي في كل للكلمة من معنى فأنكببت مع الرفاق وعلى رأسهم الدكتور جعجع على العمل لمأسست " القوات اللبنانية " وقد بدأت ثمار هذا العمل تظهر وستظهر أكثر وأكثر.
كما انصرفت بشكل أساسي لعملي الوطني وفي الشأن العام، مما انعكس سلباً على تخصيص الوقت اللازم لممارستي عملي المهني، لكن هذا الانصراف وعدم تخصيص الوقت الكافي للمهنة تزامن مع تدفق طلبات التوكيل وفي قضايا وملفات ذات الحجم المالي الكبير لأن الطالبين كانوا يسعون وراء استعمال النفوذ وليس وراء المعرفة القانونية، وقد رفضتها كلها وبدون اي استثناء.
يمكنني أن أفاخر اليوم أنني لم اقبل وكالات جديدة بعد 2005 باستثناء واحدة قبلتها واعدتها بعد مدة وجيزة، أما عن تجربتي حول المهنة في هذه الفترة ومن موقعي السياسي يمكنني القول: إن الوضع في القضاء لم يتحسن كثيراً، والوضع على صعيد المهنة لم يتحسن كثيراً، وعمل المؤسسات يعود يوماً بعد يوم إلى الوراء. تجربتي تقول انه في بلد مثل لبنان يجب فصل المحاماة عن النيابة كما عن الوزارة. تجربتي تقول أن القانون بمفهومه العام إن على صعيد الشأن العام، أي السياسة، يتقهقر، وعلى صعيد مهنة المحاماة يتقهقر: فالمعرفة القانونية أصبحت في الدرجة الثانية للتوكل، أما في الدرجة الأولى فيأتي النفوذ. كل ذلك نتيجة حتمية ومؤشر لانهيار الدولة ولانهيار سُلم القيم.
أما فيما يتعلق بتأثير المحاماة على العمل النيابي، فمن المؤكد أن المحاماة تشكل غنىً كبير لممارسة العمل النيابي سوءاً في مجال التشريع كما في مجال الرقابة. كما تشكل غنىً في المدافعة كي لا أقول المرافعة عن وجهة نظر النائب. فمن هذه الناحية يمكن التأكيد أن التجربة بين ممارسة مهنة المحاماة والعمل السياسي في مجال النيابة يتسم بايجابية كبيرة، فالثقافة القانونية حجر أساس وتؤهل لممارسة الشأن العام.
ماذا بعد عن هذه التجربة:
سألوا تشرشل عن مستقبل انكلترا في نهاية الحرب، فأجاب ما دام القضاء بخير ستكون انكلترا بخير، واليوم نقول ليكون لبنان بخير نحن بحاجة إلى عودة دولة القانون. ودولة القانون هي التي ترعى عمل المؤسسات كما ترعى القضاء كما ترعى ممارسة مهنة المحاماة. وهنا المدخل يكمن في طريقة ممارستنا للشأن العام، هنا يكمن المدخل في ممارستنا للعمل السياسي وجعل أهدافه وغاياته بعيدة كل البعد عن المصالح والشخصنة والغايات والمنافع.
نعم تجربة العمل في الشأن العام والتجربة المهنية وكل عمل نقوم به جزء لا يتجزأ من كل، فالممارسة سواء كانت مهنية أو تتعلق بالشأن العام أو شخصية نمارسها بطريقة واحدة وبجوهر واحد هو ذاتيتنا ونظرتنا إلى إنسانيتنا والى الإنسان بالمطلق، كل تجاربنا تنبع من مصدر واحد وجوهرٍ واحد ذاتنا، فإما أن نكون في خدمة إنسانيتنا وإمّا نسخر كل شيء لخدمة مصالحنا فنخسر هذه الذات، وما نفع الإنسان إذا ربح العالم وخسر ذاته.