في ذكرى استشهاده السادسة، نضيء الشموع لذاك الذي سقط دفاعا عن قسمه ومن أجل لبنان العظيم، فالشهيد جبران تويني دخل الندوة النيابية «تَيصير الصَوت يوَدّي»، إلّا أنّ يَد الغدر كانت أسرع
التقيت الشهيد جبران تويني للمرة الأولى في شباط من العام 1985، في مكاتب مجلة "النهار العربي والدولي" في الأشرفية – شارع زهرة الإحسان. كنت يومها ابن الـ 22 عاما، عندما قصدته للعمل في المجلة، في حضور الشاعر الكبير أنسي الحاج. يومها، قال لي جبران عبارة واحدة ظَلّت محفورة في ذاكرتي: "أنت في أوّل طريق مهنة الصحافة، وعليك أن تتعلّم أن من يسلك طريق هذه المهنة عليه ألّا يخاف وأن يكون شجاعا"…
سيكار كاسترو
مع أن "مكاتب النهار العربي والدولي" كانت موزّعة، بسبب الظروف الأمنية، بين الحمراء والأشرفية، إلّا أنّ جبران كان يصرّ على أن يحضر الجميع اجتماع التحرير الأسبوعي الذي كان يعقده في مكاتب الأشرفية، وكان اجتماعا يمثّل وحدة وطنية حقيقية. وأذكر أن الاجتماع كان كل يوم جمعة، وكان جبران يوزّع علينا "السيكار الكوبي" الفاخر، ويقول ممازحا: "أخبروا فيدل كاسترو أننا في كل أسبوع نقيم حفلة للسيكار الهافاني".
مع إعلان العماد ميشال عون ما سمّاه "حرب التحرير" ضد السوريين، وقف جبران بقوّة إلى جانبه، وأسّس "حركة دعم التحرير". وأذكر كيف أنهمرَت القذائف السورية ذات يوم على منزل جبران في بيت مري، يوم كنّا في الملجأ وكيف خرجَ، على رغم القصف، يستطلع مكان سقوط القذائف.
أكثر المرّات التي شاهدت فيها جبران متألما كانت يوم اغتيال المرحوم داني شمعون.
يومها، قصدته إلى منزل "عمّه حيث كان في الصالون الكبير يجري مقابلة مع محطة تلفزيونية أجنبية، وجهه كان شاحبا، والدموع تملأ عينيه.
إلى المنفى الأوّل
وسافر جبران إلى "منفاه الباريسي" بعد إلحاح، لأنّ حياته صارت في خطر، وتوقفت "النهار العربي والدولي" عن الصدور. عام 1993 عاد جبران إلى لبنان، وعمل على تأسيس ملحق "نهار الشباب"، الذي أراده منبرا للتعبير عن تطلعات الشباب، ودورهم في الدفاع عن الحريات.
زار جبران البقاع المرة الأولى بعد انتهاء الحرب، في تشرين الأول من العام 1993، لإلقاء محاضرة في ضهر الاحمر – راشيا. وفي 9 أيار من العام 1999، لَبّى دعوة
عشاء في زحلة بذكرى عيد الصحافة. وعندما دُعي إلى الرقص، اشترط أن يرقص على أغنية "راجع يتعَمّر راجع لبنان".
نظام الوصاية
تعرّض جبران لحملات من نظام الوصاية. ولا زلتُ أذكر كيف تدخلت المخابرات السورية، عبر بعض رموزها وأزلامها في زحلة، لمَنع محاضرة لجبران كان سيُلقيها في ثانوية راهبات القلبين الأقدسين في زحلة – الراسية بدعوة من إدارة المدرسة بتاريخ 11/11/2000. كان جبران تويني متوقفا بسيارته عند منطقة المديرج، وكان على اتصال معي عبر الهاتف، وإذ به يعلمني أنّ الأم الرئيسة تلقّت اتصالا من جهات زحلية لإلغاء المحاضرة بأمر من المخابرات السورية، وقال لي: "أنا متوقّف عند المديرج، ومستعد أن أكمل طريقي إلى زحلة. أنا جبران تويني ما بخاف مِن حدا، تأكّدلي شو عم بيصير عِندكن ؟؟؟"
مَن لا يعرف جبران على حقيقته، وهو كان طفلا كبيرا، لا يعرف طيبة قلبه وعفويته، وطفولته التي كانت تخفيها شخصيته الرصينة. كان مُحبّا للفقراء بشكل لا يوصف، أتذكر عندما كنّا في رحلة صيد في سهل دير الأحمر – شليفا في تشرين الثاني من عام 2002، وكنّا نتناول الغداء في مطعم صغير، كيف كان جبران مُهتمّا طوال الوقت بإطعام فتى صغير من بلدة قرب حمص في سوريا يعمل في المطعم. وأتذكر كيف كان يوزّع النقود على عدد من الباعة والأطفال قرب قلعة بعلبك، خلال زيارته المدينة لحضور المهرجانات الدولية مع زوجته سهام، وكيف كان يؤمّن مساعدات مالية لعائلات فقيرة، ويدعم الجمعيات والأندية في المناطق بالكتب وأجهزة الكمبيوتر. إضافة إلى كل ذلك، كان "الأب الحنون" الذي يقضي الوقت مُتابعا أحوال زوجته سهام أو ابنتيه نايلة وميشال.
اغتيال القسم
قضى جبران، فترة كبيرة في فرنسا بعد انتخابه، بسبب موجة الاغتيالات التي طاولت نوّابا وقياديين وشخصيات من قوى 14 آذار. إلّا أنّ محاولة اغتيال مي شدياق دفعته للعودة إلى لبنان، لأنه لم يعد قادرا أن يبقى بعيدا عن أهله ووطنه وشعبه، هو الذي يريد أن يكون حاضرا بينهم.
اغتالوا جبران وهو في عزّ عطائه، وخسر لبنان بموته طاقة وطنية وإعلامية وسياسية. لم يَنل جبران حقه، تعرّض لخيبات الأمل، وأبرزها تلك التي جاءته من النائب ميشال عون نفسه الذي دعا أنصاره إلى مقاطعة الانتخابات النيابية في بيروت 2005، في الوقت الذي كان فيه جبران مرشّحا عن منطقة الأشرفية، وهو الذي وَقف إلى جانب عون في حرب التحرير، ودافع عن أنصاره في لبنان يوم كانوا ضحية النظام الأمني اللبناني السوري. وعدد كبير من رفاق جبران تنكّروا لقسمه ونضالاته، وتناسوا المعاناة والنضالات التي خاضوها معاً. إلّا أن الشيء الوحيد الذي يؤلم، والذي لا يمكن أبدا نسيانه واستيعابه، هو قيام البعض، من صِغار النفوس، بتوزيع الحلوى ابتهاجاً وشَماتة حين هَوى جبران مُضرجا بدمائه، "دفاعاً عن لبنان العظيم" الذي أحبّ.