كتب جوزيف الهاشم في صحيفة "المستقبل":
..ويحدثونك عن الجامعة اللبنانية فيكاد الكلام يعلق في حناجر "أهل البيت"، الذين هالهم ما آلت اليه أوضاع جامعتهم التي كانت تشكّل صرحاً وطنياً بامتياز.
صولات وجولات، لن تمحى من ذاكرتهم، لأيام خلت، حيث كانت الجامعة موئل الشعراء والكتّاب والمفكّرين، ومصنع رجالات الوطن والدولة، الذين ارتضوا الجامعة اسماً على مسمّى، تجمعهم ولا تفرّقهم.
يقلبون صفحات الماضي ليسترجعوا ذكريات جامعية ذهبية بدأت مع تعيين الكبار من رؤسائها وعمدائها وأساتذتها، خارج الوصاية والمحسوبيات، والمكافآت السياسية، الى مجلس مستقل متحرر.
"الجامعيون القدامى" أطلقوا العنان لذاكرتهم، أيام تهديد الجامعة، رئيساً وطلاباً، باحتلال مجلس الجامعة إذا لم يتراجع عن قراره بعدم إدخال الشاعر أدونيس الى الملاك، والاضراب الشامل لإقرار التفرّغ والاستقلالية، وغيرها وغيرها..
غيض من فيض، يترحّم على أيام جامعة تغيّر وجهها الساطع وهواها الثقافي، وأضاعت بوصلتها الوطنية.
العويط: هدّدني رئيس الجامعة بالدرك
لعل أجمل ما يُروى في هذا المجال، ما ساقه الشاعر عقل العويط في متن حديثه، مشبّهاً انتسابه الى الجامعة اللبنانية بـ "ولادته الثانية"، وكيف هبّ الطلاب لـ "نصرة" الشاعر أدونيس عندما رفض مجلس الجامعة تعيينه أستاذاً: "كان ذلك شيئاً يشبه الثورة التي تطيح كل الموروثات. كأن شخصاً آخر كان يولد فيَّ آنذاك. حتى لأقول الآن إن ولادتي الثانية الحقيقية كانت في كلية التربية، التي إذ أنظر اليها اليوم، والى الجامعة ككل، أدرك كم أن الجريمة كبيرة ولا تُغتفر. جريمة تحويل الكلية، بل الجامعة الوطنية كلها، من مشروع تغييري ثقافي، ومجتمعي، وسياسي، الى بؤرة فساد ونتانة وتخلّف وانحطاط وانهيار وموت.
كيف كانت الجامعة وكيف صارت؟
الجامعة التي صنعت شعراء وكتّاباً وأدباء ومفكرين ومثقفين وعلماء، ورجال نضال وكفاح وسياسة، كيف هي تصنع منذ أن صادرها قطّاع الطرق في الحرب والسلاح والسياسة والدين، مشاريع للموت والتعفن واليأس؟
الجامعة التي كانت مختبراً للأمل، كيف صارت على أيدي سارقيها مختبراً للنهايات؟".
ويتابع: "الجامعة التي كان يعيَّن رئيسُها بناء على اقتراح من مجلس جامعتها المستقل والمتحرر من كل وصاية سياسية أو حزبية أو دينية، أصبحت جامعة يعيِّن رئيسَها وعمداءها وأساتذتها وأكاد أقول طلاّبها المتنفذُ السياسي والحزبي والديني الذي يصادر الدولة بكل معانيها، ويخنق كل احتمال بأن تكون هذه الجامعة ربيعاً لوطن يتطلع الى حداثته الإنسانية الكاملة".
موضحاً "على سبيل التذكر والمقارنة ليس إلاّ، كان رئيس الجامعة آنذاك العلاّمة القانوني الكبير الراحل الدكتور إدمون نعيم، قد اتصل بي هاتفياً، ولكن الى أين؟ الى الكافيتيريا، عند "المعلم أسعد"، حيث كنت أتابع تلقّي العلم الحقيقي والجوهري، فسألني أن ألتقيه، وكان صديقي رغم أنه كان رئيساً وكنتُ طالباً، فذهبتُ اليه في رئاسة الجامعة. كان ثمة مشكلة آنذاك بسبب أدونيس، الذي رفض مجلس الجامعة تثبيته أستاذاً في الملاك بسبب مواقفه النقدية من الدين. كنتُ مندوباً للطلاب عن كلية التربية في مجلس الجامعة، فقلت للرئيس إننا "سنحتل" مجلس الجامعة إذا لم يتراجع المجلس عن قراره عدم تثبيت أدونيس، فـ"هدّدني" الرئيس بالدرك، عارفاً أنه لن يفعل ذلك، وقد طلبتُ منه أن يعيد جمع مجلس الجامعة للتصويت مجدداً على المسألة المذكورة. وكان المجلس منقسماً مناصفةً، وقد جرت العادة أن لا يصوّت الرئيس، تاركاً للأعضاء أن يقرروا بأنفسهم. ولما جاءت نتيجة التصويت بالتساوي، قرّر الرئيس بتأثير من الموقف الطالبي الضاغط آنذاك، وغير المهادن، أن يرجّح التصويت بإعلان وقوفه الى جانب إدخال أدونيس الى الملاك. وهكذا صار. وقد ثُبِّت أدونيس يومذاك بإرادة الطلاب لا بإرادة رجال السياسة والدين".
عقل العويط يشعر بحزن عميق كلما تذكر الماضي فلا يجد في الجامعة اليوم "إلاّ مكبّاً لنفايات ثقافية وسياسية وطائفية. بل أرى فيها مقبرةً لهذا البلد الذي كان يستحق مكافأة غير هذه المكافأة الجامعية".
بزيع: تحولت الجامعة الى مجلس ملّة
أما الشاعر شوقي بزيع الذي يرى أن الجامعة في عزّها كانت تمثّل "عصر الأندلس في الحياة التربوية في لبنان"، فيلخّص وضعها اليوم بأنها "وقعت في فلك الطوائف وأصبحت كعكة منافع يتقاسمها زعماء الطوائف الذين وضعوا يدهم على معظم مقدرات البلد، بعد ان كانت النواة الحاضنة لوحدة اللبنانيين، ففرّعوها على أسس مذهبية. لقد شكلت في الستينيات ومنتصف السبعينيات، الى كونها مركزاً تنويرياً وتعليمياً، النواة الحاضنة لوحدة اللبنانيين إذ لم تكن قد تفرّعت بعد حيث كان الطلاب يأتون اليها من المناطق اللبنانية كافة، ويشعرون أنهم ينتمون الى وطن واحد وثقافة واحدة وأحلام مشتركة. كانت الجامعة مركزاً لكل التيارات السياسية المعترضة على اهتراء النظام اللبناني والداعية الى التغيير، كما كانت تستجيب لكافة الأحداث على الساحة العالمية. كنا نشعر ان الجامعة هي نواة الوطن المقبل، فكان المستوى التعليمي متميزاً بالقياس الى الجامعات الأخرى، فكلية التربية كانت منارة معرفية حقيقية، والمطالعة والتثقيف يتمّان جنباً الى جنب مع البرنامج الأكاديمي".
ويتذكر بزيع: "كنا نستضيف كبار شعراء وكتّاب العرب. في احدى المرات استضفنا الشاعر محمود درويش الذي قدم أمسية شعرية، وقال لنا: انها المرة الأولى التي أشعر فيها بهذا الخوف والتهيّب أمام جمهور معظمه من الشعراء وكله من المثقفين، وقد كانت بيروت بالنسبة إليه مركز الحداثة الأساسي في العالم العربي".
ويتابع "اليوم لا يمكن أن يعيّن رئيس للجامعة أو أي استاذ من دون رعاية وبركة رئيس الطائفة، فأصبحت الجامعة بمثابة مجلس ملّة للطوائف والمذاهب. وتفريع الجامعة لم يتم على اسس الحاجة الجغرافية والتربوية بل على اسس مذهبية. كما ان الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة لم يعد له وجود، ما أضعف من وتيرة وفعالية أي تحرك طلابي اضافة الى المحسوبيات حيث يتناقل الكثيرون عن طريقة الترفيع التي تتم في صفوف الطلاب الحزبيين من دون ان ننسى مسألة الرشوة. صحيح ان الطلاب هم جزء من نسيج المجتمع اللبناني، لكن الهواء كان معافى والهامش كان أوسع والأحلام كانت كبيرة، إذ يبدو ذلك العصر أندلس الحياة التربوية في لبنان. اليوم أفرغت كلية التربية من كل مضمون، فكانت النشاطات عبارة عن ندوات ثقافية ومحاضرات وأمسيات شعرية، وكبار الشعراء والكتاب ينتمون الى الجامعة اللبنانية".
صالح: آخر "إنجازاتهم" تعيين رئيس كمكافأة سياسية
عرف حنا صالح الجامعة اللبنانية في فترة مشرقة من تاريخها بدأت العام 1968، عندما نفّذ الأساتذة أول إضراب شامل تحت عنوان إقرار التفرغ والملاك والاستقلالية. كان حينها طالباً في الجامعة "الوطنية" ومشاركاً في العمل النقابي فيها لسنوات عدة. اليوم يقرأ المشهد كالآتي: "ها نحن في أواخر شهر تشرين الأول ولا تزال أبواب الجامعة مقفلة نتيجة الإضراب المفتوح الذي بدأه الأساتذة رداً على الغبن المزمن اللاحق بأهل الجامعة. الدورة الثانية على "كفّ عفريت". أكثر من 70 ألف طالب جامعي يشكلون نحو 40-45% من إجمالي طلاب التعليم العالي، خارج قاعات المحاضرات. نحو 4000 أستاذ جامعي يخوضون مواجهة مفتوحة في معركة يريدون منها استعادة حرية الجامعة واستقلالها حتى تلعب دورها الوطني في النمو، لكونها عماد التطور. إنها مواجهة مع نهج تفقير كل من يعمل فيها من أساتذة وإداريين وموظفين. لكننا في بلد يشهد دوماً "الصعود إلى تحت" في كل مرافقه، فكان لا بد من أن يتأثر مسار الجامعة فتنعكس عليها كل موبقات الحرب الأهلية. فالجامعة التي استقطبت يوماً أبرز الكفاءات وعلى سبيل المثال لا الحصر: من إدمون نعيم ومحمد المجذوب إلى حسن مشرفية وجيلبير عاقل ونزار الزين وقيصر نصر وابراهيم الحاج وابراهيم بيضون وحسن حمدان المعروف باسم مهدي عامل ومعن زيادة وغيرهم.. هذه الجامعة التي قبضت القوى الطائفية على خناقها تغيرت كثيراً، ما زال فيها الكثير من الكفاءات لكنها هزلت على مستوى إدارتها العامة، على مستوى الرأس ومجلس الجامعة، وهذا الأمر ما كان ممكناً أبداً لولا التشرذم والتطييف والتمذهب الذي يضرب الحركة الطالبية فيها".
ويؤكد أن " في قيادة حركة الأساتذة وفي صفوف الأساتذة عموماً اليوم، نخب من خريجي هذه الجامعة، من طلابها، ومن أوائل قادة الاتحاد الوطني لطلابها. أما تاريخهم، وبمعزل عن الانتماءات السياسية لكل منهم، فهو مثال للطلاب الحاليين وأهل الجامعة، ومصلحتهم من مصلحة الأساتذة.. لذا من المفترض التمثل بهذا التاريخ ليعود الاتحاد الوطني للطلاب إلى الحياة الفعلية كأداة مستقلة تدافع عن الجامعة: الجامعة المستقلة في برامجها ومناهجها التي يجب أن تتطور ضمن معيار الكفاءة وبعيداً عن كل أشكال المحاصصة الطائفية".
وينتقد صالح "المحاصصة القائمة في الجامعة اليوم. الإضراب الوطني يشترك فيه نحو 100 ألف أسرة لبنانية من أسر الطلاب، أسر الإداريين والموظفين وأسر الأساتذة، أي نحو 500 ألف لبناني. والمؤسف أن أهل السياسة الذين تحاصصوا الجامعة لجهة التوظيف، كان آخر "إنجازاتهم" تعيين الرئيس الجديد لها كمكافأة سياسية للموقف المعروف الذي اتخذه حين كان وزيرا، وقد لفت الانتباه غداة هذا التعيين ما ذكره أحد الوزراء من أن السيرة الذاتية الخاصة به تؤكد أنه يتقن اللغة العربية". وختم: هذا "الإنجاز" ليس الوحيد، لقد جاء ليتوّج سبع سنوات من عمل هذه المؤسسة الوطنية من دون عمداء أصيلين، ووسط غياب مجلس حقيقي لها، وتعطيل متعمّد لعمل مجالس الفروع والوحدات".
خليفة: اجتاحتها الميليشيات وطبقت عليها "قانونها"
يرى الرئيس السابق لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية الدكتور عصام خليفة أن "الجامعة كانت في عزّها أيام تولي ادمون نعيم رئاستها منذ أوائل سنة 1970 ولغاية بدء الحرب سنة 1975- 1976، حيث حرص نعيم على ترسيخ سلطة القانون ومنع أي تدخل في شؤونها، انما حصرها برئيس الجامعة ومجلسها، وشكّل لجنة قانونية تولت الاشراف على كل معاملة ادارية من تعيين الأساتذة الى المناقصات وغيرها، ما أدّى الى تقدمها. كان الأساتذة والعمداء يعتبرون الجامعة قضية، وكانوا يخططون للمستقبل ويهتمون بالمنح ويطبقون قانون التفرغ ويعزّزونه. أما اليوم فوضع الجامعة غير طبيعي، إذ نجد حماية لتزوير بعض الشهادات، كما أن الأساتذة لا يقومون بواجباتهم". ويأسف "لما شهدته الجامعة أيام الحرب، حيث اجتاحتها الميليشيات واحتلتها ووضعتها تحت قانونها وتدخلت في شؤونها"، لافتا الى أن "مرحلتي الحرب وولاية زهير شكر حفلتا بالخروج عن القانون وعن النظام المالي وتجاوز الأنظمة والتسلّط الفردي على كل شؤون الجامعة. ولقد كان هذا الخروج منظماً، الى جانب عدم احترام القانون، بحيث أراد شكر أن يبقي الجامعة رهنا للأهواء السياسية والتدخل الخارجي والمصالح الفئوية، ولم يشأ اقامة المجالس الأكاديمية. وغاب عنها في الفترة الأخيرة مجلس الجامعة وتعطّل دور الحركة الطلابية ما أدّى الى زيادة تدخّل السياسيين في الجامعة".
ويلفت خليفة الى انها "كانت تضمّ 50 ألف طالب سنة 1990، في حين أن الجامعات الخاصة كانت تضمّ 40 ألفاً، وفي الوقت الذي ارتفع فيه العدد الى 120 ألفاً في "الخاصة" استقر العدد على 72 ألفاً في "اللبنانية" منذ السنوات الخمس الأخيرة"، ويؤكد في الوقت عينه أنه "وعلى الرغم من الثغرات ما زالت الجامعة اللبنانية من أفضل الجامعات في لبنان عبر طاقات الأساتذة الأكفّاء ونوعية طلابها وتفوّقهم العلمي ومستوى الامتحانات الرسمية. لكن تواطؤ بعض القوى داخل الجامعة وفي السلطة السياسية حكم بشلل عمل هذه المؤسسة الوطنية الكبرى. ولقد أدّت الخلافات الضيقة ما بين السياسيين خصوصا على التوظيف وتوزيع الحصص الى تفاقم ذلك. فالجامعة تعمل منذ سبع سنوات من دون عمداء أصيلين ومن دون سلطة قرار فعّالة في ظل غياب مجلس الجامعة وتعطيل عمل المجالس الأكاديمية عبر الامتناع عن تطبيق القانون 66، في حين يستفيد من خدمات الجامعة نحو 100000 أسرة لبنانية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وتخرّج نحو 17000 طالب بينما تقدّر موازنتها بنحو 280 مليار ليرة سنويا".
الدويهي: "الاتحاد" طاروالحركة الطلابية ضاعت
وفي شهادة انطوان الدويهي يختصر المشهد الستيني للجامعة اللبنانية بصور عن تظاهرات سلمية ضاغطة كبرى، ومواقف بطولية، ووجوه مشرقة، وجهود وتضحيات لا تُحصى، وثقة عميقة بلبنان ودوره ومستقبله، وأحلام لا حدود لها:
"لم تكن الجامعة اللبنانية صورة عن المجتمع اللبناني قبل الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975. كانت القوى الأقل تمثيلا في المجتمع هي الأكثر تمثيلا ونفوذا في الجامعة التي كانت تتصدّر حركة الحداثة العالمية والعربية". ويضيف "عاشت الجامعة اللبنانية مرحلة نهوض كبير بين العامين 1969 و1975، وكان دور الحركة الطالبية هو المحور وهو الأساس في كل الانجازات التي تحقّقت، أما البرامج المطلبية فكانت جد واسعة وطموحة. كان الحيّز الأكبر من الحركة الطلابية مستقلاً لا يقارن قياساً لما هي عليه الحال اليوم. وتربعت الجامعة اللبنانية على عرش المستويات الفكرية والسياسية والنقابية واحتلت طليعة المجتمع اللبناني وقاطرته الى الأمام، ولم تكن قطّ صورة عنه. وشكل الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية أهم الأهداف التي طُرِحت وتحقّقت، وهو الأداة النقابية الموحّدة والبالغة الفعالية التي بنت استقلالية الجامعة اللبنانية وحققت المشاركة الطالبية في المجالس التمثيلية. بعدها أطلقت الكليات التطبيقية (هندسة، طب، صيدلة وغيرها) التي فتحت باب الاختصاصات العلمية واسعاً امام ابناء الشعب، بعد ان كانت لعقود طويلة حكراً على الأثرياء ممن بمقدورهم ارسال اولادهم الى الجامعتين اليسوعية والأميركية. هذه الكليات العلمية التطبيقية هي اليوم مفخرة لبنانية ومشهود لها في المنطقة والعالم، وآمل ألا يطالها التسييس والفساد فتخرب. أما الاتحاد فلم يعد موجوداً وضاعت معه الحركة الطلابية".
ويربط الدويهي الجامعة اللبنانية بحركة الحداثة العالمية والعربية "حيث كانت الجامعة، كما بيروت، في قلب تلك الحركة. كانت الجامعة واحة الحرية الكبرى في العالم العربي، تجمع فيها كل الاتجاهات والقوى الفاعلة من المحيط الى الخليج. كانت تشكل أيضاً منبت الابداع، فيها نخبة من كبار الأساتذة.. وليس من باب المصادفة ان نجد اليوم هذا القدر الكبير من المفكّرين والأدباء والمؤرّخين والفنانين وقادة الرأي والقادة النقابيين من خرّيجي الجامعة اللبنانية في تلك المرحلة. لكن ما يدعو الى الاسف ذلك الوضع المزري الذي يطبع استقلالية الجامعة اليوم في البرامج والمناهج والقرارات وامتحانات الدخول، بينما كانت مختلفة تماماً في مرحلة ما قبل الحرب. والواقع نفسه ينطبق على الانتخابات التي كانت تتمتع بالاستقلالية النقابية والحرية ضمن صناديق الاقتراع، وهذا ما يصعب تصوّره اليوم، لأن الأمور تتراجع الى الوراء على نحوٍ مأسوي".
بشور: صارت ساحة لصراع العصبيات
"حققت الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية مدعومة من رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة إنجازات عدّة أبرزها المبنى الخاص للجامعة، وقيام كليات تطبيقية، وتفرغ الأساتذة الجامعيين، وتوسع فروع الجامعة لتشمل كل المحافظات اللبنانية"، يقول المنسق العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية في لبنان معن بشور، لكنه يستدرك "ان الحرب اللبنانية كان لها أثر سلبي بالغ على مسيرة الجامعة، ولا تزال تداعياتها قائمة، لا سيّما على صعيد نفوذ قوى الأمر الواقع على إداراتها وفروعها، وما أدى إليه ذلك من تسيّب خطير من جهة، ومن تفشّي النزاعات والعصبيات الطائفية والمذهبية بين طلابها، وبدلاً من أن تشكل الجامعة قاعدة لتحرر المجتمع اللبناني من هذه العصبيات البالية باتت إلى حدّ كبير ساحة لصراع هذه العصبيات، في الوقت الذي كان الصراع الطلابي قبل الحرب يأخذ مضامين فكرية وسياسية بعيدة عن الاصطفاف الطائفي والمذهبي.
ويشير بشور الى أن الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية "لم تشهد في السنوات الأخيرة أي أثر ملحوظ للعلاقة بالحداثة المتفجرة بالثقافة العربية والعالمية، ولم تشهد ربوع الجامعة ومنابرها ما يعبّر عن هذا التفاعل بقدر ما نلاحظ تصاعداً في الخطاب الطائفي والمذهبي والحزبي الحاد، لا سيّما مع تقسيم الجامعة إلى فروع تعيش في معظمها حالات فئوية صارخة. لقد كانت استقلالية الجامعة بكل مستوياتها احد أبرز عناوين حركة الطلاب والأساتذة معاً، لكن هذا العنوان بدأ يتراجع مع تراجع الحالة الوطنية في البلاد لمصلحة المشاريع الفئوية الضيقة، فانعكس التوزيع الطائفي على رئاستها وعمدائها ومديريها بشكل لم يعتمد دائماً معيار الكفاءة والجدارة المطلوبة في صرح علمي مميّز كصرح الجامعة".
الحلقة الثانية: الجامعة اللبنانية من فؤاد افرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!… اليسار واليمين اجتمعا على هدف رِفعة الجامعة .. واليوم تجمعهما الحسرة
الحلقة الأولى: الجامعة اللبنانية من فؤاد أفرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!… كانت مصنعاً لثقافة التعدّد وصارت رهينة الحزب الواحد والحركات المرتبطة بالطغاة