كتب ابراهيم جبيلي في صحيفة "الديار": عندما يتوافد المبعوثون الدوليون والعرب وتتكاثر زياراتهم المكوكية الى المنطقة، يشعر السكان بأن هذا نذير شؤم، وبأن تطوراً دراماتيكياً سيحصل، فتمهد وصول البعثات لها، حيث يقدم الوافدون المحملون بعروض التمني، الحوافز والاغراءات، مع حرصهم الدائم على المصلحة الوطنية للبلد المستهدف. فالجامعة العربية، رئيس ووزراء خارجية وسفراء منتدبون، يتجوّلون في البلدان المحيطة بسوريا، كما أن المجتمع الدولي أوفد أهل الخبرة والاختصاص في هكذا ثورات للعمل في الخطوط الخلفية، تركيا، العراق، الأردن ولبنان، حيث لكل بلد مجاور وظيفة تختلف عن الأخرى، لكن كلها توصل الى الطاحون، ففي تركيا تدور المفاصلة بين الطلب والعروض، ولا يزال الفارق واضحاً والهوّة واسعة بين المفاوضين، فالأتراك يدركون جيداً قدراتهم العسكرية، ويدركون سهولة استعمالها بعيداً عن قرارات مجلس الأمن وعذاب الفيتو الروسي والصيني، لكن أنقرة في المقابل وضعت شروطها المستحيلة التي تبدأ باجتثاث حزب العمال مروراً باعتراف صنّاع القرار بأنها القوة العظمى في دول شرق المتوسط، وتصل الى الطلب من الدول الأوروبية القبول والموافقة بانضمامها الى الاتحاد الاوروبي.
وفي العراق الحكاية تختلف، حيث يسعى كل فريق في منطقة الشرق الأوسط الى إكمال هلاله المذهبي، بعضهم يريد تواصلاً بين سنة سوريا والمناطق العراقية ذات الأغلبية السنية، وفي المقابل، فان نوري المالكي يفتش جاهداً عن القاسم المشترك بين النظام في سوريا والمعارضة، وكله أمل بأن يبقى القديم على قدمه، فشيعة العراق لن يفرّطوا بالامتيازات التي حصّلوها بعد سقوط صدام حسين. أما في الأردن، الجار الثالث لسوريا، فهو يعيش على «فالق» الأزمات في المنطقة المحيطة، فلا تعوزه أية هزّة إضافية تشعل الثورات المتنوعة في أراضيه. ففي هذا الوطن الصغير، يعيش الاسلاميون والمعارضون للسلطة مع الفلسطينيين وكلهم على أحرّ من جمر المظاهرات والاحتجاجات، ينزلون الى الشارع لإشعال ثورة الرغيف، كما أنهم يتظاهرون ضد الحكومة، أو ضد التدخل الأجنبي، فالساحة الأردنية جاهزة باستمرار لاستقبال الحشود الجماهيرية ولو بلافتات اسلامية او معيشية أو قومية عربية، وجميعهم يهدفون الى عدم ترك العرش يرتاح أو يطمئن الى غده، فكيف اذا داهمت المملكة الهاشمية العقوبات العربية ضد سوريا، علماً أن بلاد الشام هي المدى الأوسع للأردن.
اما في لبنان، بلد الحدود الرابعة لسوريا، أهميته تفوق أهمية سائر الكيانات المحيطة، فعلى أرضه يتجلّى الصراع بين النظام والمعارضة بأبهى صوره، وبدت الساحة اللبنانية كأنها الميدان الحقيقي لقتالهما، فاذا هرب المنشقّون الى خارج سوريا طلباً للأمان، فلا يجدون سوى الحدود اللبنانية معبراً آمناً يجتازونها، واذا حاول الجيش السوري مطاردة المطلوبين، فهو لا يستطيع اختراق أي حدود سوى الحدود اللبنانية. وبين عمليات «الكرّ والفرّ والمطاردات، ينقسم اللبنانيون بين النظام والمعارضة، ناس يأوون اللاجئين ومعهم المنشقين وناس آخرون يطاردون المعارضة والمنشقين ويسلمونهم عبر المسالك الأمنية الى سلطات الداخل.
الحماسة اللبنانية الموزعة بين المعارضة والنظام في سوريا، تكاد تشعل الحروب في الداخل اللبناني، خصوصاً أن ملفات العداء السياسي والحزبي والمذهبي سميكة جداً، ومشبعة بالكراهية والأحقاد، سريعة الاشتعال، والفريقان يرتبطان عضوياً بالعواصم الكبرى في المنطقة، وأي نزاع بين العواصم الاقليمية حول الهيمنة أو بسط النفوذ، سيجد في لبنان آذاناً صاغية وأصابع جاهزة على الزناد لخوض حروب البدل عن غائب، فكم بالحري اذا كانت النيران مشتعلة عند الجارة الوحيدة والأقرب، الحديقة الخلفية للبنان وللبنانيين، خصوصاً أن فريقاً خرج من الحكم ذات صباح، ينتظر بفارغ الشوق للعودة، وضع كل آماله ومستقبله في سلّة السقوط المنتظر للنظام، وهو يجهّز حالياً العدّة للتسلّم وللشماتة وللإنتقام، ويستعرض بكل ثقة النتائج من جراء التطورات الدراماتيكية، ويسأل ماذا لو فتحت ملفات الاغتيال التي حصلت في السنوات الماضية، وتضمنت لائحة الاتهام اسماء لبنانية منضوية في النادي السياسي، وكيف ستتصرف بعض القوى في 8 آذار عندما يصدر المجتمع الدولي لائحة بالعقوبات تتضمن أسماء «لبنانية» وتسرّب أوساط هذا الفريق أربعة أسماء من التيار الوطني ستضعهم واشنطن على اللائحة السوداء التي تصل الى تجميد أرصدة هؤلاء.
وفي المقابل، وبينما تفضي قوى 14 آذار أوقاتها في إطلاق التصاريح وحضور المناسبات الاجتماعية، بانتظار الفرج السوري، فان قوى 8 آذار مشغولة بحكومتها الممسوكة وغير المتماسكة، وهذه القوى تحيا في ائتلاف يشبه حياة الأفاعي داخل السلة الواحدة، الجميع يلدغ الجميع، والغريب أن هذا الائتلاف راسخ وباق طالما ان الراعي الاقليمي لا يزال قادراً على شدّ العزائم ولو بدت الهدنة فيما بينهم اغتصاباً، والوفاق الحكومي اوامر، لن يجرؤ أي فريق على الاعتراض وعدم التنفيذ.
وبينما الفريقان 8 و14 آذار في الهم سوريا، حضر السفير فوق العادة جيفري فيلتمان الذي تشبه اطلالاته الوزير هنري كسينجر والاثنان اذا حضرا، يضع الجميع الأيدي على القلوب خوفاً من الآتي الأعظم، ماذا قال فيلتمان للقيادات اللبنانية؟ ولماذا سكتت هذه القيادات؟