#adsense

شكراً فرنسا وجبران في الوجدان

حجم الخط

مناسبتان تزامنتا في التوقيت، مثل تزامنهما في الأهداف والجوهر، الأولى تفجير الجنود الفرنسيين العاملين في قوة حفظ السلام في لبنان، بقصد قتلهم وقتل السلام معهم، والثانية ذكرى قتل واستشهاد الزميل الغالي جبران تويني ورفيقيه، منذ ست سنوات خلت، لأن مَن حاول قتل الجنود الفرنسيين، كائناً من كان، قد يكون هو ذاته الذي اغتال جبران، أو قد يكون شريكه أو حليفه، فجبران قتل لأنه كان يناضل من أجل لبنان حر، سيد، مستقل، ديموقراطي، والجنود الفرنسيون ايضاً، مع رفاق لهم من دول أخرى، صديقة، جاءوا الى جنوب لبنان، ليحفظوا امنه واستقراره، وسلامة أهله، ليكون نموذجاً يقتدى، وينسحب على كل شبر من الأرض اللبنانية، بما يسمح للشعب اللبناني ان يحقق ما استشهد من أجله جبران، وهذه القافلة المقدّسة من القيادات اللبنانية، ومن أبناء هذا الوطن الأبرياء، وكما ان قتل جبران لم يكن الوحيد الذي طاول عدداً من القيادات المناضلة في انتفاضة 14 آذار، اذ حصلت عمليات اغتيال ومحاولات اغتيال، قبل استشهاد جبران، وبعد استشهاده، وهذا ما حدث تماماً ضد قوات السلام الدولية، حيث حصلت اعتداءات عليها قبل تفجير الجنود الفرنسيين، وليس مستبعداً ان تحصل اعتداءات مشابهة بعد التفجير، وفي جميع الحالات سقط العديد من الجنود، شهداء على أرض لبنان وامتزجت دماؤهم بتربة هذه الأرض، على أمل أن تزهر غداً أمناً وسلاماً وحرية واستقراراً لأهالي الجنوب ولشعب لبنان، مثلما ازهرت دماء جبران تويني، وجميع شهداء ثورة الأرز، ربيع لبنان منذ العام 2005 وحتى العام 2010، قبل ان تنتصر القوة على الكلمة والدم، وتوّجّل تفتّح الزهر في ربيع الأرز، ولكن هذه القوة عجزت عن ايقاف الريح التي حملت الربيع الى دول في العالم العربي، كانت شعوبها تعيش حياة العبيد في بداية الألفية الثالثة. من هنا فان دماء جبران وباقي الشهداء، لم تذهب سدى كما يحاول البعض أن يروّج عن قصد أو عن غير قصد، لأن طريق الوصول الى الدولة القوية السيدة الحرّة الديموقراطية ليست معبّدة ولا آمنة، وهي مليئة بالعقبات والصعوبات وكمائن الغدر والقتل، وكل من سار على هذه الدرب، ويسير اليوم، يدرك تماماً ما ينتظره من أخطار، لكنه يستمر، لأن هدف انقاذ لبنان، يستحق ان يستشهد المرء من أجله، وجبران، وجميع من سبقه ولحقه، ومن ينتظر، لم ولن يبدّلوا تبديلاً.

أفهم أن يناضل الانسان من أجل كرامته وحريته، ومن أجل وطنه المقهور، المغلوب على أمره، الواقع في قبضة التسلّط والقمع والسلاح، وأفهم ان يودي به هذا النضال الى السجن والتعذيب والقتل، فالوطن في مفهوم جميع الشعوب غال وترخص التضحية في سبيله، ولكن أن يأتي جنود، من دول غريبة وبعيدة، حتى ولو كانت صديقة، للدفاع عن أرض غير أرضهم، وشعب غير شعبهم، ودولة غير دولتهم، وطوعاً وبملء ارادتهم، لأنهم يأتون متطوعين، فهذا أمر في منتهى النبل والأخلاق، ويجب ان يقابل بالكثير من عرفان الجميل، خصوصاً اذا كان هؤلاء الجنود من طينة من أتوا ويأتون الى لبنان، حاملين معهم المستشفى وحبّة الدواء، والمشغل والتدريب، والبذور والنصح والارشاد، الى جانب سهر الليالي وتعب الايام، وحمل دمائهم على اكفهم، كما يتحملون عنتريات البعض والرجم بالحجار وقطع الطرقات، والادهى من كل هذا، تفجير مواكبهم وقتل بعضهم وجرح البعض الآخر في رسائل كريهة ملطخة بدماء جنود ابرياء لا ناقة لهم ولا جمل، ومع ذلك يحولونهم الى صندوق بريد يتضمن اطرافا مقطعة ودماء مهدورة، احيانا باسم الدين، واحياناً باسم الوطنية، والدين والوطنية براء من هؤلاء القتلة.

الاعتداء على الجنود الفرنسيين، كان هدفه، من دون ادنى شك، دفع الكتيبة الفرنسية الى «ضّب ثيابها» ومغادرة جنوب لبنان، انطلاقاً من حرص الدولة الفرنسية على حياة جنودها، حتى ولو كانوا يساعدون دولة اخرى صديقة منذ قرون، وشريكة اساسية في الديموقراطية والفرنكوفونية، او ان تتخلى فرنسا عن دعم نضال الشعوب العربية في سبيل حرياتها وكرامتها، الا ان فرنسا وما تمثله من عنفوان وتمسك بالقيم الديموقراطية والحريات، رفضت الرسالتين معا، على قاعدة ان فرنسا لا ترضح لا للابتزاز ولا للتهديد. وكان تصريح وزير خارجيتها آلان جوبيه، في هذا الخصوص واضحاً وحازماً، فاستحقت فرنسا من الشعب اللبناني ومن الدولة اللبنانية كلمتين تعكسان امتنانهما لهذا الموقف النبيل وهما «شكراً فرنسا»، لان خضوع فرنسا الى لغة الارهاب، وهي التي تمثل ما تمثل من ثقل اوروبي ودولي، كان سيؤدي حتما الى دفع باقي الدول المشاركة في قوات السلام الدولية الى «ضب ثيابها» ايضاً والرحيل، تاركة لبنان عرضة لشتى الاحتمالات السيئة، خصوصاً في الاوضاع الصعبة اقليمياً ومحلياً، وموقف فرنسا هذا يشبه ايضاً موقف الشعب اللبناني بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهو لو خضع للارهاب والخوف لما كانت انتفاضة 14 آذار، ولما كان اقدم اشخاص مثل جبران التويني وغيره من الشهداء على التضحية بحياتهم في سبيل وقف الارهاب والقتل والظلم والخوف.

شكراً فرنسا، شكراً قوات الطوارئ، وفي البال والوجدان دائماً يا جبران.

المصدر:
الديار

خبر عاجل