كتب سمير صالحة لـ"الجمهورية" من اسطنبول: إنقطعت شعرة معاوية التي كانت تحمي مسار العلاقات التركيّة ـ السوريّة وتحاول إنقاذها من التراجع الدائم منذ اندلاع الأزمة السوريّة وبعد سنوات شهر العسل الطويل الذي وفّر للبلدين فرص تبادل الخدمات الثنائيّة والإقليميّة في أكثر من مكان.
قبل أشهر كان يُكتب عن حجم التقارب التركي ـ السوري ووصوله إلى مستوى النموذج المثالي، ليس فقط في التعاون والانفتاح الثنائي بين دول المنطقة، بل في تحوّله فرصة إقليميّة كبيرة تجمع كثيراً من العواصم العربيّة والإسلاميّة تحت شعار "إزالة الحواجز وفتح الأبواب".
أمّا اليوم فالجميع يصغون الى ما تقوله دمشق حول "الطعن من الخلف"، وإنّ أنقرة تحوّلت "رأس حربة" في المشروع الغربيّ الذي يستهدفها، بينما تردّد تركيا أنّه لم تعد هناك فائدة من الحوار، وأنّها إذا ما أُجبرت على الاختيار بين إنقاذ نظام الأسد أو إنقاذ شعب سوريا فهي سترجّح بلا شكّ كفّة الشعب السوريّ.
أنقرة التي تعرف أهمّية الدور السوريّ وموقعه في صعودها الإقليمي وعودتها إلى الشرق عبر البوّابة السوريّة لا تريد، وأمام تفاقم الوضع في المدن السوريّة، أن تجد نفسها عرضة للسيول الجارفة التي تعترض سفينة مصالحها العربية والإقليمية. لكن سوريا لم تعد ترى في تركيا سوى الشريك القديم الذي تخلّى عن صداقته بمثل هذه السرعة وبات جزءا من مشروع التآمر، وأنّه سيجد نفسه في النهاية يسافر وحيدا في ما سمّي قطار تحرير الشعب السوريّ عبر إشعال حرب عرقيّة مذهبيّة.
دمشق تقول إنّ طوق النجاة الذي قُدِّم لأنقرة في محاولة لتجنيبها أمواج الأزمة السوريّة، لن يمنع التيّار الجارف من سحبها هي الأُخرى الى الحفرة التي يعدّها البعض لسوريا، فأردوغان هو الذي عوّدها خلال السنوات الأخيرة على أن يكون الى جانبها في أفراحها وأحزانها. وأنقرة تردّ أنّ ما قادها إلى تحديد موقفها باكراً حيال ما يجري في سوريا هو شعورها بأنّ العاصفة التي تهدّد البلد الجار سيكون لتركيا، في شكل أو آخر، نصيبها فيها، ولذلك هي تحاول قدر الإمكان الخروج بأقلّ الخسائر والأضرار من هذه الورطة.
دمشق تعتبر أنّ بداية النهاية بالنسبة الى حكومة "العدالة والتنمية" كانت بتجميد مشروع "صفر مشاكل" مع الجيران الذي روّج له وزير الخارجيّة التركية أحمد داود أوغلو في السنوات الأخيرة، وتؤكّد أنّ تركيا فقدت موقعها ودورها الإقليمي بسبب موقفها العجول من النظام السوريّ المزايد على كثير من الدول العربيّة والغربيّة التي كانت ترى نفسها في خندق المواجهة ضدّ سوريا. وأنقرة تُصرّ على أنّ القيادة السوريّة تحاول إطالة عمر الأزمة لإضعافها وتشتيت المعارضة التي تتحرّك كما تشاء داخل الأراضي التركيّة، وأنّ دمشق تحاول لعب ورقة التمايزات العرقيّة والمذهبيّة في سوريا كرصاصة الرحمة التي تُطلقها، ليس فقط لتفجير الصراع في سوريا، بل لنقله إلى تركيا نفسها أمام تشابه التركيبات الاجتماعيّة والدينية والعرقية في البلدين.
دمشق تقولها مرّة أخرى، أنّ مسار العلاقات التركيّة ـ الإيرانيّة والتركيّة ـ العراقيّة بات تحت رحمة مسار العلاقات التركيّة ـ السوريّة، وأنّ مواقف طهران وبغداد الأخيرة في مسائل العقوبات التي فرضتها الجامعة العربية على سوريا ودخول القوّات التركيّة إلى شمال العراق بذريعة مطاردة فلول حزب العمّال الكردستاني ونشر أجهزة الرصد على الحدود الشرقيّة لتركيا لتوفير الغطاء اللازم للمظلّة الصاروخيّة الأطلسيّة، تعكس كلّها حقيقة ولادة تحالف سوريّ ـ إيرانيّ ـ عراقيّ بحماية روسيا ورعايتها، وأنّ تركيا أخذت مكانها على اللائحة السوداء لهذا التكتّل، وتقول إنّ دمشق تريد، وعلى طريقتها، عزل تركيا عربيّاً وإقليميّاً وإبعادها عن الجامعة العربيّة وإظهارها في موقف الشريك المتحالف مع الغرب ضدّ الشعوب العربيّة والاسلاميّة.
دمشق تتحدّث عن تمويل متطوّعي المعارضة وتدريبهم في معسكرات بإشراف تركيّ ـ غربيّ مشترك، وإرسالهم سرّاً عبر الحدود المشتركة للقتال في المدن السوريّة، وأنقرة تقول إنّ العقوبات الاقتصادية السورية التي جاءت ردّاً على العقوبات التركيّة تستهدف الشعب التركيّ مباشرة، بينما كلّ ما فعلته تركيا كان تنبيه النظام الى ضرورة تغيير سياساته ومواقفه لا أكثر.
دمشق تراهن على تحريك الداخل التركيّ ضدّ سياسات حزب "العدالة والتنمية" السوريّة بكسب المعارضة والإعلام إلى جانبها، وهذا ما حدث عندما وقف زعيم الطائفة الجعفرية في تركيا على هامش إحياء ذكرى العاشر من محرّم يتساءل عن الدوافع التي قادت حكومة أردوغان الى هذا التصعيد غير المبرّر ضدّ النظام السوريّ وقبول نشر أجهزة الدرع الصاروخيّة وإغضاب إيران واستفزازها على هذا النحو. وأنقرة تريد من المعارضة السوريّة أن تحسم أمرها في أسرع ما يمكن وألّا تطيل الجامعة العربية الانتظار بين الأخذ والردّ خلال الاستماع إلى الأجوبة السوريّة حول مطالب الدول العربية، مذكّرةً بأنّ خيار المنطقة العازلة هو أوّل الملفّات الذي يُنتَظر طرحه على طاولة التصعيد ضدّ النظام السوريّ عند الضرورة.
ومع ذلك فإنّ تركيا قد تكون على رغم كلّ هذه الانتقادات التي تتعرّض لها من بعض الغاضبين بسبب انفتاحها الزائد على الغرب في موضوع الربيع العربي، الدولة التي لعبت الدور الرياديّ في تحريك الشارع هناك من خلال الإنجازات والإصلاحات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي حقّقتها في الأعوام الاخيرة، والقوّة الدافعة في اتّجاه إشعال فتيل هذه الثورات وتفجير حالات الغضب التي تحوّلت مطالب شعبيّة تتقدّمها الدعوة الى إسقاط الديكتاتوريّات المتحكّمة منذ عقود بكثير من البلدان العربيّة.
وعلى رغم أنّ الكثيرين يحذّرون من أنّ رئيس الوزراء التركيّ رجب طيّب أردوغان والرئيس السوريّ بشّار الأسد يعرفان نقاط ضعف وقوّة بعضهما البعض بعد سنوات طويلة من التقارب ليس على مستوى الحكومات فحسب، بل على المستوى العائليّ والشخصيّ أيضا. وأنّ التلويح الدائم بالاستعداد للانقضاض وتوجيه اللكمات سيكون موجعاً ومكلفاً إذا ما دخلا في مواجهات من هذا النوع لن تقود سوى الى الضربة القاضية عاجلاً أم آجلاً.
وفيما كان وزير الخارجيّة الفرنسي ألان جوبيه يناقش مع نظيره التركيّ داود أوغلو الارتدادات الإقليميّة للأزمة السوريّة واحتمالات انعكاساتها السلبيّة على مصالح البلدين في المنطقة عموماً، ولبنان تحديداً، وفيما كان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في زيارته الأخيرة لتركيا يسابق الجميع في رسم السيناريوهات السوداويّة وفي محاولة إقناع أردوغان وحكومته بقبول ودعم مقولة أنّ حلّ الأزمة السوريّة بات أمام تصلّب النظام السوريّ يمرّ عبر طهران، كان البعض يضع اللمسات الأخيرة على مخطّط مهاجمة القوّات الفرنسيّة العاملة في إطار في قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، وهي الرسالة التي يحاول البعض توجيهها ردّاً على ما قاله داود اوغلو للقيادة السوريّة وهو يذكّرها بأن لا أحد يريد التدخّل في شؤون سوريا الداخليّة، لكنّ تركيا لن تظلّ مكتوفة إذا ما تعرّض الأمن الإقليميّ للخطر".