"قاطع مثل العدل… محني مثل التواضع… وبحدو الفاصل بتخلّص لبنان…"
هكذا خاطبت "عطر الليل" (فيروز) "الأمير فخر الدين" (نصري شمس الدين) عندما قدمت له السيف هدية من "وفد الجبل" عند عودته الى لبنان من المنفى. ولو كانت عطر الليل أمام جبران لكانت قدمت له القلم بدل "بيض الصفائح" ليملأ بها "سود الصحائف" مع الاعتذار من أبي تمام، فبالقلم لا بالسيف "جلاء الشك والريب".
وأعود الى مسرحية "أيام فخر الدين" عندما عادت عطر الليل لتخاطب الأمير الأسطوري بلوم المحب لأنه لم يهرب عندما أيقن بخسارة المعركة، فأجابها بأن النسر الذي عاش في الأعالي وتنفس هواء الحرية لا يقبل أن يعمر وليهرم ويموت، فالموت برصاصة أقرب الى الشرف له.
لست أدري لماذا ذكرتني هذه المسرحية بسيرة جبران وقصة عودته من باريس ليموت كالنسر وهو يحلق في فضاء الحرية.
لم أعد أذكر التاريخ، ولكنه كان بالتأكيد آخر جلسة لمجلس النواب حضرها جبران قبل سفره الأخير الى فرنسا ومن بعدها أصبحت الملحمة معروفة.
في تلك الجلسة، كان يتحدث الى السيدة سولانج الجميل وكنت أنا جالساً خلفه تماماً عندما مر أحد نواب "حزب الله" وألقى علينا التحية مع ابتسامة عريضة، فرددنا التحية جميعاً. بعدها التفت نحوي جبران وقال: "أتعلم يا صديقي هذه أول مرة يوجه اليّ أحد نواب "حزب الله" التحية، وهذا ما يدفعني الى الثقة ببلدنا لأنه مهما اختلفنا مع بعضنا بالآراء، فهناك دائماً مساحة للتلاقي ولو على الأقل بالتحية".
لست أدري اليوم إن كانت النيات الحسنة هي التي استدرجت جبران بعد بضعة أيام ليعود، رغم كل التحذيرات، مع علمه أن الإجرام الذي طال العشرات من المناضلين من قبله قد يطاله في أية لحظة، وهو يعلم أيضاً أنه قد يكون على رأس لائحة افتراضية في أحد أقبية المخابرات المظلمة والرطبة مثل الموت الذي يصنعونه بحرفة واقتدار.
ربما كان باستطاعة جبران يومها أن يستجيب لدعوات الأصدقاء بتأخير عودته لأيام، أو ربما كان بالإمكان أن يقاوم ذلك الشعور بالنخوة والفروسية التي طالما شعر بها وهو يمتطي القلم الذي ورثه عن أبيه وعن جده، ولكن الحنين الى شعر أمه، وكل شاعر يحمل في طيّاته روح شهيد، جعله يتخطى غريزة الخوف المقدسة التي حمت الملايين من الناس من قبله، ودفعتهم الى القبول والركود والإذعان.
جبران كان نموذجاً للثائر الكاسر الخارج من زمان الأساطير، لقد شكل قلمه ولسانه مهمازاً للمترددين الحالمين بالحرية، وكان أيضاً سوطاً نغّص عيش وحش الظلمات الذي حكم لبنان بالإرهاب على مدى ثلاثين سنة.
كثيرون كانوا ينعتون جبران بأنه معادٍ لكل ما هو عربي لشدة تعصبه للبنانه، الى أن اقتنعوا أن العروبة التي يؤمن بها جبران هي مشابهة للبنان، عروبة التعدد والحضارة والحرية، ولولا هذا الإيمان لما فتح جريدته لروّاد في العروبة الحرّة مثل رفيقه في الشهادة سمير قصير.
وكثيرون كانوا يصفون نضاله ضد الاحتلال السوري بالعين التي تقاوم المخرز، وهم من حزب "اليد التي لا تقدر عليها قبلها وادعي لها بالكسر"، الى أن أتى الرابع عشر من آذار وأكد لهم أن العين التي شاهدت الحرية قادرة على كسر المخرز.
وكثيرون كثيرون كانوا يحسدونه على جرأته ووقاحته في قول ما هو مقتنع به وإن كانوا ينعتونه بالمتهور في العلن، وهم يتمنون لو كان لديهم الشجاعة ليقولوا للظالم كلمة الحق ولو في سرهم.
لقد روضت سنوات حكم المخابرات السورية وشبيحتها اللبنانية الآلاف من اللبنانيين ومن بينهم الكثيرون من الذين يتنطحون اليوم للحديث عن الحرية والكرامة، أما جبران فقد كان أبداً رمزاً للمناضل العنيد في ما يراه حق، وسيرة نضاله واستشهاده مشابهة لسير القديسين الذين كان يؤمن بهم دون جدال. وأنا إن تصورته اليوم أراه في أيقونة مقدسة يمتطي ديك النهار ليغرز قلمه كالرمح في فم التنين، وهو لا يزال يحلم بأنه بعد قتل التنين سيعود اللبنانيون ليلقوا التحية على بعضهم وإن اختلفت آراؤهم!