منذ أكثر من عشرة أيّام وردت معلومات إلى مديريّة المخابرات في الجيش اللبناني حول اجتماع عقد في عين الحلوة بين ثلاثة من الإسلاميّين قرّروا فيه استهداف قوّات "اليونيفيل"، والسفارة القطريّة.
عمّمت المديرية هذه المعلومات على الجهات المختصّة، ومن غير المستبعد طبعا أن يكون إبلاغ فرنسا وقطر من ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتّخذت لضمان إحباط الهجوم سواء على الكتيبة الفرنسية أو السفارة القطريّة.
وبغَضّ النظر عن موثوقيّة المعلومات، أو عن المخبر أو المخبرين الذين اخترقوا هذه المجموعة، فإنّ طبيعة الاستهداف والمنطقة التي حصل فيها والجهات المستفيدة، كلّها تطرح تساؤلات لم يعد منطقيّا تجاوزها من دون التدقيق في هذا المسلسل الذي يستفيق في كلّ مرّة يُراد استعمال الجنوب صندوق بريد للتخاطب مع المجتمع الدولي.
في التساؤل الأوّل مفارقة ترتبط بكلّ اعتداء استهدف "اليونيفيل"، وهي المتعلقة بالمكان، فمنذ استهداف الكتيبة الإسبانيّة في سهل مرجعيون، الى استهداف الكتيبة الفرنسية في صور، مرورا باعتداءات الرميلة وسينيق، لم تحصل هذه الأحداث إلّا في المنطقة التي يسيطر عليها حزب الله، وخصوصا في صور ومرجعيون، وفي صور فإنّ النقطة التي حصل فيها الاستهداف خاضعة كلّياً لمراقبة الحزب، واذا كان محتملا بنسبة ضئيلة أن يحصل اختراق لهذه النقطة، فإنّ احتمال نفاذ المجموعة المنفّذة وهروبها الآمن بعد تنفيذ التفجير غير موجود، وبالتالي يطرح هذا التساؤل كثيرا من التحليل الذي يصبّ في اتّجاه واحد.
في التساؤل الثاني المرتبط بطريقة تبنّي متطرّفين إسلاميّين بعض العمليّات او تسريب معلومات الى الإعلام حول مسؤوليتهم عنها، فإنّ هذا السيناريو بدوره يحمل كثيرا من المؤشّرات الهوليوديّة، بدءا من تسلّل المنفّذين من أماكنهم مرورا بتنفيذهم وضع العبوات والمراقبة والتفجير، وصولا الى انسحابهم الآمن الى مخابئهم، انتهاءً بعجز القوى الأمنيّة وحزب الله عن تقديم طرف خيط واحد لكشف هذه الاعتداءات التي تجاوز عددها الـ 25 اعتداءً. وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال سيناريوهات التمويه المعتادة التي تسبق تنفيذ أيّ اعتداء أو تعقّبه، ومنها على سبيل المثال، المعلومة التي وصلت الى مديرية المخابرات، والتي تتحدّث عن التحضير لاستهداف الفرنسيّين وسفارة قطر، فهل كانت هذه المعلومة جزءا مكرّرا من خطّة التضليل؟ وهل هي نسخة مكرّرة عن تبنّي "كتائب عبدالله عزّام" إطلاق صواريخ على شمال إسرائيل؟
في التساؤل الثالث المتعلّق بالمناخ السياسي في لبنان وسوريا الذي يواكب هذه الاعتداءات، فإنّ المشهد لا يوحي إلّا بتصويب غير ملتبس من النظام السوري وحلفائه اللبنانيّين على قوات "اليونيفيل" التي اعتبرها أحد الحلفاء رهائن للمقايضة عند الحاجة، وعلى ما يبدو فإنّ الوقت قد حان لاستهداف الرهائن والضغط على حكوماتها انطلاقا من تطبيق نظريّة الإطفائي المهووس الذي يشعل الحرائق ليقبض ثمن إطفائها، وهي نظرية تترجم مع "اليونيفيل" باستهداف الرهائن لقبض ثمن إعادة تحريرها.
وسواء قبلت فرنسا أن تعترف بأنّ كتيبتها العاملة في الجنوب أصبحت رهينة أم لا، فإنّ استمرار المسلسل بات يهدّد الاستقرار في الجنوب، خصوصا وأنّ فرنسا سبق لها أن طالبت الدولة اللبنانية بتعزيز وجود الجيش جنوب الليطاني، بحيث يُحدث ثكناً ثابتة وإضافية، وهذا لم يحدث على رغم من تأمين فرنسا عبر الاتّحاد الاوروبّي تمويلا لإحداث هذه الثُكن، بما يوحي أنّ الحكومة اللبنانية غير راغبة أو قادرة على حسن ضمان تطبيق القرار 1701، وهذا يضيف عاملا جديدا قد يؤدّي الى اتّخاذ فرنسا ودول اوروبّية أُخرى مشاركة في "اليونيفيل" قرارا بتجميد المشاركة أو تحديدها أو تحميل المسؤولية للحكومة اللبنانية العاجزة عن معرفة ما يجري على ارضها، وطبعا تحت سقف معادلة "الجيش الشعب والمقاومة".