“الجمهورية”: رسائل جوبيه

كتب جورج علم في صحيفة "الجمهورية" تحمّل إسرائيل الحكومة اللبنانية مسؤوليّة إطلاق الصواريخ من الجنوب باتجاه مستعمراتها، فيما يحمّلها المجتمع الدولي مسؤوليّة حماية (اليونيفيل)، بعد الاعتداء الذي استهدف دوريّة فرنسيّة مؤخّرا، وهو الاعتداء الثالث من نوعه في غضون أشهر.

بالتأكيد ليست الحكومة هي التي تطلق الصواريخ، ولا هي الجهة التي تستهدف (اليونيفيل)، ولكنّها في النهاية هي المسؤولة عن هيبة الأمن والسيادة التي تنتهك في الجنوب، وهي المسؤولة عن كشف الجهة – أو الجهات – التي تتعمّد الانتهاك، وتسعى إلى تهديد السيادة وتعريض السلم الأهلي للخطر من خلال إحراج إسرائيل لإخراجها، وحملها على القيام بعدوان كبير، أو السعي لتغيير طبيعة القرار 1701، وإبعاد (اليونيفيل) عن معادلة الخطّ الأزرق، ومستلزمات الاستقرار.

ولم يتأخر وزير خارجية فرنسا ألان جوبيه عن توجيه أصابع الاتهام الى سوريا، و"ذراعها المسلّحة" في الجنوب، حزب الله. إنّ هذا الاتهام هو برسم الرئيس نجيب ميقاتي أيضا الذي يعدّ ملفّه بشكل جيّد قبل أن يتوجّه الى باريس ملبّياً دعوة نظيره فرانسوا فيّون. وقبل الزيارة وموعدها، عليه أن يجيب عن أسئلة عديدة وضعها سفراء الدول المشاركة في قوّات (اليونيفيل)، هل تحوّل الجنوب الى صندوق بريد من قبل محور الرفض والممانعة لتوجيه رسائل عاجلة الى الغرب الأوروبي – الأميركي اعتراضا على العقوبات والتدابير المتخذة ضدّ النظام في سوريا؟. هل دنت ساعة الصفر لتفجير الوضع في الجنوب، وربّما في مناطق لبنانية عديدة، بهدف صرف أنظار العالم عمّا يجري في الداخل السوري من قمع دموي؟. وهل أنّ قيادة حزب الله قد توصّلت الى قناعة تقضي بالدفاع عن السلاح عن طريق الهجوم، والسماح للجهة – أو الجهات – التي تقوم بالاعتداء على (اليونيفيل)، وبإطلاق الصواريخ لاستفزاز إسرائيل وحملها على القيام بردّة فعل، ليقال بعد ذلك بأنّ للسلاح مهمّة وطنيّة، وعلى الأصوات المعترضة أن تسكت الى الأبد؟!.

وينتظر جوبيه ومعه سفراء دول (اليونيفيل) أن يبادر الحزب الى كشف الجهة التي تسعى الى تخريب الاستقرار في الجنوب، كونه الطرف الأقوى حضورا وانتشارا وتنظيما وجهوزيّة لمواجهة إسرائيل، وإذا كان كذلك – وهذا ما يدّعيه – فعليه أن يعرف الجهة الفاعلة، وأن يسارع الى تقديم المعلومات الى الأجهزة المختصّة كي تتمكّن من كشف الحقيقة. أمّا إذا كانت مهمّة الحزب تقتصر على الإدانة فقط، والظهور بمظهر العاجز عن معرفة ما يجري في محيطه، فهذا يعني أنّه ليس محصّنا بما فيه الكفاية، ولا يملك القوّة التي تسمح له بالدخول في مغامرة انتحاريّة مع إسرائيل، وبالتالي عليه ألّا يعرّض رصيده للخطر، ومعه رصيد اللبنانيّين جميعا، عن طريق الزجّ بهم في أتون معركة غير متكافئة مع العدوّ الإسرائيلي! .

قد يكون جوبيه مغاليا في اتّهامه، أو متسرّعا، وهو القائل بأنّه لا يملك معلومات مدقّقة عن تورّط سوريا، لكن بعض سفراء دول (اليونيفيل) ينطلق من مقاربة مغايرة "نحن معتمدون لدى الحكومة اللبنانية، وليس لدى سوريا أو حزب الله، وعلى هذه الحكومة أن تواجه بسلاح الكلمة والموقف لرفع الضيم عنها، وما يلحق بها من تجريح وانتقاص من مكانتها وكرامتها لأنّها هي المستهدف الأول بسمعتها ورصيدها، وما يجري من فوضى وإخلال بالأمن في الجنوب لا يستهدف إسرائيل بقدر ما يستهدفها مباشرة، ويستهدف الانفتاح الدولي الذي تعيش ربيعه بعد تمويلها المحكمة الدوليّة".

ويذهب هذا البعض (السفراء) الى الأبعد، فيرى أنّ اتّهام جوبيه لسوريا، و"ذراعها المسلّحة" في الجنوب، ينطوي على رسالة بالغة الدلالة برسم الرئيس ميقاتي، ومفادها أنّ ما يجري من خلل أمني سواء بإطلاق الصواريخ، أو بالاعتداء على (اليونيفيل)، إنّما هو إنذار مبكّر له كي لا يخرج عن بيت الطاعة السوري، وليكون حذرا في انفتاحه على الخارج، خصوصا عند بحثه الملفات التي تتناول المقاومة وحزب الله، وسلاحه الذي أصبح عرضة للتشكيك والانتقاد من غالبيّة اللبنانيّين. وإنّ الغرض الأساس ممّا يجري من خلل داخل مربّع حزب الله الجنوبي، قد لا يهدف فقط الى نقل الصراع من الداخل السوري الى الداخل اللبناني، بل ربّما أيضا الى صرف الأنظار عمّا يجري من قمع في العديد من المناطق السوريّة المنتفضة، الى لبنان المغلوب على أمره، حيث يستأثر الحزب بقرار الحرب والسلم نيابة عن الدولة اللبنانية، وغالبيّة اللبنانيّين.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل