#dfp #adsense

الجامعة اللبنانية من فؤاد أفرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!… الجميع كانوا يحسبون ألف حساب لردّ فعل الحركة الطلابية

حجم الخط


حين أزهرت الاعتصامات والإضرابات.. اتحاداً وكليات


الحديث عن الجامعة اللبنانية يفتح شهية الكثيرين للتطرق الى مواضيع كثيرة لا يمكن حصرها. إلا انّ الحديث عن الحراك الطلابي يبقى الأكثر اثارة وله نكهته الخاصة التي لا تمحوها السنون، بحكم كونه المركز الاساسي والمساهم الاول والاخير في نشأة الجامعة، من خلال التحركات "النضالية" التي لها الف حكاية وحكاية، وصولاً الى النضال الطلابي الطويل من اجل تحقيق مطلب انشاء الاتحاد الوطني للطلاب.

الانطلاقة كانت مع حركة "الوعي"، التي ضمت نخبة من الطلاب الذين اثبتوا جدارتهم في الحياة الجامعية وشكلوا بعد ذلك الاتحاد، الذي كان من اهم الانجازات النقابية لطلاب لبنان، واطاراً يجسد وحدتهم على طريق وحدة البلد، وأجمعوا على ان انتخابات الاتحاد شكلت في كل مرة عرساً ديموقراطياً من خلال التمايز الفعلي والجدي بين العمل السياسي والعمل الاكاديمي، وكان يتناوب على رئاسته اليمين واليسار، والكل يعبّر عن رأيه، فجاءت قراراته في كل مرة ملزمة للجميع من دون استثناء.

ويزداد الحديث "حماسة" مع الدخول في ذكريات الحراك الطلابي مع الاعتصامات والاضرابات التي كان ابرزها في العام 1971، عندما قطع الطلاب طريق المطار، واحتلوا مباني الجامعة اللبنانية، وبعده الاعتصام امام الاونيسكو العام 1972 الذي تحول اضراباً عن الطعام واستمر 50 يوماً حيث كان يُنقل الطلاب كل يوم الى المستشفيات للعلاج ويحضر رفاقهم من المستشفى لاكمال الاضراب من جديد. وقد تطلب قيام كل كلية اكثر من اضراب. فكان الطلاب ينقسمون في تظاهرات "طيارة" لتشتيت القوى الامنية، بينما كانت الهتافات المؤيدة للجامعة والحرية تصدح في الشوارع: "يا حرية نحنا رجالك.. بدنا نمنع اغتيالك".

لكن كل هذه التحركات ما كانت لتنجح لولا تضامن الاساتذة مع طلابهم، وكذلك تضافر جهود الطلاب على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية والمناطقية الذين كانوا يعتبرون المشاركة نضالاً في سبيل هدف سام وهو النهوض بمستوى الجامعة التي طالما حلموا بها جنباً الى جنب مع اساتذتهم. ولكل مناسبة أكثر من قصة وأكثر من سيناريو والبطل واحد.. الجامعة الجامعة.

فكيف كانت الصورة في عيون "اهل" الاتحاد والجامعة الأم ايام العزّ والنضال الجامعي؟.

جوزف الهاشم

كيف ينسى الشاعر شوقي بزيع تلك التحركات الطلابية التي كان في طليعة المشاركين فيها ومن معدّي شعاراتها. يتذكر، باعتزاز "إحدى التظاهرات سنة 1962 عندما تجمع طلاب الكليات في مبنى الحقوق، وقُمعنا بشراسة من قِبَل القوى الأمنية التي استخدمت خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، فاضطررت الى القفز فوق جدار الكلية ووقعت على الارض وتمزق بنطلوني الجديد". وكذلك "التظاهرة الحاشدة امام الاونيسكو، وقد سرّب الطلاب خبراً للقوى الأمنية بأنّ هناك تظاهرة آتية من جهة الجامعة العربية كي تنقسم الفرق الامنية، وبعد انتظار تبين ان طالباً وحيداً آتٍ من تلك الجهة. كما كنا ننقسم الى تظاهرات طيّارة بهدف تشتيت القوى الامنية، ومن أبرز الهتافات التي كتبتها وتردّدت في التظاهرات "يا حرية نحن رجالك/ بدنا نمنع اغتيالك". كان الطلاب ينقسمون وفقاً لمبادئ وأفكار سياسية، فكان الانقسام ايديولوجياً بين يمين ويسار، اذ أن الجامعة كانت منبراً علمانياً ديموقراطياً بعيداً عن الانقسامات المذهبية والانتماءات الدينية، لكنها بعد الحرب وقعت في فلك الطوائف".


اضراب عن الطعام 50 يوماً


ويروي وزير التربية السابق حسن منيمنة قصة الإضراب الشهير العام 1972 والاعتصام الذي قاموا به أمام قصر الأونيسكو "اعتراضاً على عمل الوزارة والسلطة بشكل عام وعدم اهتمامها بالجامعة اللبنانية. اعتصام تحوّل إضراباً عن الطعام وانتهى بانتزاع الحركة الطلابية مطالبها التي تعني تطوير الجامعة، فقط لا غير، لافتاً الى التنوّع في الحركة الطلابية "إذ كان بشير الجميل مسؤول طلاب "اليسوعية" وجان عساف وسعد الله مزرعاني والياس عطا الله وأنور الفطايري وغيرهم في "اللبنانية". أسماء متنوعة، اختلفت في السياسة إلى أبعد حدود، واجتمعت من أجل مصلحة الجامعة، ونجحت".

وعن الإضراب الشهير نفسه أمام الأونيسكو يقول نائب رئيس حزب الكتائب ابراهيم ريشا إنه "استمر خمسين يوماً. كنا مضربين عن الطعام، كل يوم ننقل طلاباً إلى المستشفيات للعلاج، ونأتي بآخرين من المستشفيات ليكملوا الإضراب". يضحك، وهو يستعيد ذكريات "لن تعود" كما يقول، ذكريات يفتقدها يومياً.

ويستذكر الرئيس السابق لرابطة الاساتذة المتفرغين صادر يونس بدوره مشهد اضراب العام 1968 الذي دام 45 يوماً: "يومها قدم الأساتذة استقالات جماعية وطالبوا بقانون للجامعة وبتحسين وضعهم المعيشي ورفع رواتبهم. كان لحركة الأساتذة والطلاب دور فاعل في تحقيقها ومن بينهم أساتذة يمتلكون الشجاعة والكفاءة كحسن مشرفية ونزار الزين، ولكن ما إن توسعت الجامعة لم يعد هؤلاء وحدهم قادرين على القيادة فبرزت الحاجة الى انشاء رابطة الاساتذة المتفرغين وقد لعبت دوراً مهماً في حماية الأساتذة وكانت الأساس في الحفاظ على وحدتهم والوصول الى مطالبهم وهذا ما تسعى اليه حاليا الى جانب رابطة قدامى الاساتذة التي هي جزء من الجامعة ومن ذاكرتها وعملت ولا تزال من اجل مصلحة الجامعة".


لم يتحقق شيء لولا ضغط الأساتذة والطلاب


والمشهد المعاصر يُعيد الناشط السياسي حنا صالح طالباً في الجامعة، الى العام 1968 حين نفّذ الاساتذة الإضراب الأول. وانضم إليهم الطلاب في تحرك موحّد رمى إلى المضي قدماً في بناء الجامعة، التي منذ وجدت كدار عليا للمعلمين، ما من أمر تحقّق فيها إلا تحت ضغط أهلها من أساتذة وطلاب. تطلّب قيام كل كلية في الجامعة أكثر من إضراب، وكل تعديل تطلّب إدخاله أكثر من تحرك طالبي، وعلى الدوام وجد الأساتذة دعماً من الطلاب، ووجد الطلاب لدى الأساتذة كل تفهّم". وأسِفَ "للهوّة والتناقض بين موقفي الأساتذة والطلاب، فقد صدرت في الآونة الأخيرة مواقف عن جهات تقول إنها تنطق باسم الطلاب رفضت الإضراب العام وشكّكت في جدواه".

أما على الصعيد الوطني فقد واكبت الحركة الطلابية بحسب المنسق العام للجان والروابط الشعبية في لبنان معن بشور "مجمل القضايا الوطنية المطروحة آنذاك وفي طليعتها التصدي للعدوان الصهيوني حيث كان لاتحاد طلبة الجامعة دور بارز في الانتفاضة الطلابية إثر العدوان على مطار بيروت في 28 كانون الأول 1968، وهي انتفاضة استمرت لأسابيع وشملت طلاب الجامعات اللبنانية بالإضافة إلى الثانوية وكانت تعبيراً عن وحدة لبنان من خلال طلابه، ورفعت شعارات كالتجنيد الإلزامي وتحصين القرى الأمامية ومحاسبة المسؤولين عن التقصير في الدفاع عن المطار، وأدت إلى استقالة الحكومة آنذاك". ويذكر بشور "دور طلبة الجامعة على الصعيد الاجتماعي في مساندة كل التحركات المطلبية كإضراب عمال غندور العام 1972، وانتفاضة مزارعي التبغ في الجنوب في مطلع العام 1973، ودعم إضراب الأساتذة الذي أدى إلى فصل العشرات منهم ثم اضطرار وزارة التربية إلى التراجع عن قرارها".


اليمين واليسار تناوبا على رئاسة الاتحاد


"لعب اتحاد الطلاب دوراً رقابياً فاعلاً، كما كان له أفضلية إبداء الرأي في الكثير من الأمور التي تخصّ الجامعة، فنجح في تلك الفترة في فرض المزيد من الإجراءات لتحسين الجامعة" يقول منيمنة وهو يتحدث عن الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، لافتاً الى انه "لا يمكن نسيان أن الاتحاد والحركة الطلابية هما من أسهم في إنشاء الفروع العلمية في الجامعة، من كلية العلوم إلى طب وهندسة وغيرها. صحيح أن القوى الطلابية كانت تنتمي إلى قوى سياسية متناحرة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وما بينهما، ولكن كان هناك دائماً تمييز فعلي جدي بين العمل السياسي والعمل الأكاديمي".

ويضيف انه "في تلك الفترة وعلى الرغم من الانقسام الرهيب الذي كان في البلد، "نجحت الجامعة اللبنانية في أن تكون الأولى على مستوى لبنان، ونافست كبرى الجامعات الخاصة. أذكر في تلك الفترة كيف اضطرت الجامعة اليسوعية الى أن تُقفل كلية الآداب الشرقية التابعة لها، بعد أن استطاعت اللبنانية أن تستقطب غالبية الطلاب من اليسوعية إليها. أما اليوم فالحال معاكسة تماماً، فكل شيء أصبح خاضعاً للمنطق الحزبي البعيد كل البعد عن الأكاديمية، فنرى العمل الطلابي في غالبية الفروع تحوّل من السهر على تطوير الجامعة إلى السهر على تطوير الأحزاب المنتمين إليها. لقد أصبح هؤلاء يتدخلون حتى في الامتحانات. حتى موضوع تفريع الجامعة على سبيل المثال، والذي يريده البعض في كل المناطق، وكأن الجامعة هي مدرسة ثانوية يجب أن تكون في كل منطقة. لم نر الطلاب ومجالسهم يعترضون على أمر يضرب جوهر الجامعة ويعطلها أكاديميا"ً.

ويسترجع منيمنة، الأكاديمي واستاذ الجامعة، بعض امتيازات اتحاد الطلاب آنذاك فهو "كان يمارس حريات حقيقة، إذ كان يتناوب على رئاسته اليمين واليسار، والكل يعبّر عن رأيه من دون خوف وكانت قرارات الاتحاد ملزمة للجميع من دون استثناء، فضلاً عن أن الحراك الفكري والثقافي بين مختلف الأفرقاء من كل الاتجاهات أدخل لبنان في عصر النهضة المشرقية، بكل ما للكلمة من معنى، وهذا كله يعود للتفكير المنفتح على الجميع وانعدام نية إلغاء الآخر. الياس خوري، محمد عبد الله، شوقي بزيع، حسن داوود، جوزيف سماحة، نخب تخرّجوا من الجامعة كلهم خريجون أصبحوا شعراء وكتاباً وأدباء وباحثين لهم بصماتهم في كل الميادين، في لبنان وخارج لبنان. هذه من نتائج إصرار الحركة الطلابية على النهوض بالجامعة والمحافظة عليها. وسياسة التفاهم مع الإدارة من أجل التطوير والتقدم".


الاضرابات لم تكن عشوائية


"الأحزاب تجتمع، تختلف، ترفع شعارات سياسية، وفي الوقت نفسه تجتمع على الأهداف المطلبية"، يقول ريشا ويستذكر كيف استطاع المستقلّون مع الأحزاب اليمينية في تلك الفترة أن يتوصّلوا إلى تفاهم أدى إلى انطلاق ما عرف ب "حركة الوعي" من كلية التربية آنذاك، ثم عقدت مؤتمرها الأول وحددت مطالبها.

ولا ينسى "الكتائبي" العتيق مثله مثل كل من عاش تلك الفترة، دور الحركة الطلابية في إنشاء 14 كلية جديدة تابعة للجامعة اللبنانية، موضحا: لم تكن الإضرابات في معظم الأحيان نتيجة قرارات عشوائية، أحياناً كنا نتفق مع الأساتذة، ويحصل تشاور للوصول إلى الصيغة الأنسب للجميع والتي تساهم في نهضة وتطوير الجامعة. لم نكن يوماً في مواجهة مع الأساتذة. حتى إنشاء كافيتيريا كان يأتي نتيجة للإضراب.

ومن أهم المكاسب التي حققتها الحركة الطلابية انها استطاعت إنشاء الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، والهيئة التعليمية، والنظام المالي للجامعة، إضافة إلى قانون التفريغ. إنشاء الكليات العلمية، والمطالبة بحرم جامعي موحد، أتت أحداث العام 75 لتنعكس على هذا المطلب، أو بالأحرى تؤجله".

يضيف: في تلك الفترة، نظمنا مؤتمراً حول مفهوم البطالة، وطرحنا فيه استحداث فروع جديدة للجامعة. استحداث مختبر للفيزياء. كما قدمنا دراسات حول سوق العمل. كل ذلك كان بالتعاون بين الجميع، وبالتنسيق مع الأساتذة. إذ لم نواجههم في أي وقت، بل على العكس، عملنا سوياً للنهوض بالجامعة. وقد أجرينا استفتاء بين الطلاب من أجل إنشاء الاتحاد، ونجحنا في كسب تأييد الغالبية منهم، على الرغم من اعتراضات البعض. دخلنا جميعاً إلى الاتحاد، من يمين ويسار وما بين بين. اللافت أن انتخابات الاتحاد كانت تجري بصورة ديموقراطية منقطعة النظير، وبمشاركة كبيرة جدا من الطلاب. اليوم ليس هناك أي شيء يوحي بديموقراطية الجامعة، وحتى الطلاب.

ويلفت ريشا الى انه "على الطلاب في الجامعة اللبنانية أن يكون لديهم الهم المطلبي فوق كل الاهتمامات، كي يستوعبوا على الاقل مفهوم اقتصاد المعرفة الذي يتحكّم بسياسة العالم اليوم، وأن يعودوا إلى الحركة الطلابية المطلبية التي وحدها تنجز وتساهم في تطوير الجامعة اللبنانية. اما واقع الحال كما هو اليوم، فيبدو أن ليس هناك نية حتى في المحافظة على الانجازات التي تحققت في السابق".


ابرز كتاب وشعراء اليوم كانوا من "نجوم" الجامعة


ويلفت صالح الى ان الاعتصام الأول، الذي تكلّل بالنجاح، تلاه أوسع حوار حر بين طلاب الجامعة ما "أدى إلى إرساء صيغة الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية الذي حمل همّ استكمال بنائها، وبالأخص تطويرها لجهة استحداث الكليات التطبيقية. ووضعت البنية الأولى في تلك الفترة، كما أن التنافس في الطروح بين مختلف الفئات والشرائح من يمينية وليبرالية ويسارية دارت حول أنجع السبل لتطوير مناهج الجامعة وبرامجها وبنيتها التحتية واستكمال كلياتها. وكانت الحركة الطالبية، إلى حدّ كبير، تنطلق في قراراتها من استقلالية فعلية بمعزل عن الجهة الطالبية التي تمسك بزمام قيادة الاتحاد الوطني، والتحالف كان دائما بينهما.. ولأنها كذلك فإن قرار الاتحاد الوطني للطلاب، بمعزل عمن يقود الاتحاد، كان قراراً وطنياً نافذاً على مستوى الجامعة. وفي أي حال فإن صيغة أي قرار كانت تتبلور في الجمعيات العامة للطلاب. وهذه الجمعيات كانت "هايد بارك" حقيقياً منتجاً، والعديد من الكتاب والشعراء والأساتذة أصحاب الشهرة اليوم كانوا من "نجوم" الجامعة آنذاك، ربما لأن الجامعة كانت موجودة في العاصمة حيث هدَفَ نضال الطلاب والأساتذة إلى إيجاد بناء موحد. وساعد كل ذلك في ايجاد دينامية داخلية بلورت على الدوام المطالب وسبل تحقيقها…

ويتابع: رئاسياً، تعاقب اساتذة كبار في فترة ما قبل الحرب الأهلية على رئاسة الجامعة من فؤاد افرام البستاني إلى ادمون نعيم.. وفي تلك الفترة أيضا، كانت قرارات الإدارة النقابية ملزمة للجميع، لأن من تبوأ سدّة الاتحاد إنما كان بفضل انتخابات ديمقراطية وحرة، سواء أكان رئيسه ممثلاً للقوى اليسارية كالشهيد أنور الفطايري أو النقابي البارز الدكتور عصام خليفة الذي مثّل الوسط أو يمين الوسط. حينذاك، لعب الاتحاد الوطني للطلاب دوراً بارزاً في قيادة الحركة الطالبية في لبنان، ولسنوات تحولت قضية استكمال بناء الجامعة الوطنية وتطورها قضية لكل طلاب لبنان، فشارك طلاب الجامعات الخاصة مراراً في النضالات العامة للحركة الطالبية وتحولت الجامعة الوطنية إلى المحور والمشعل.


الحركة الطلابية ودعم الحركة الشعبية


ولم يكن بشور وهو من خريجي كلية الحقوق في الجامعة بعيدا عن نضال الحركة الطلابية المدعومة من الحركة الشعبية خلال خمسينيات القرن الماضي لتحصين الجامعة اللبنانية، التي ما كانت لتقوم أصلاً لولا تضامن هاتين الحركتين في ظل النفوذ الكبير الذي كانت تتمتع به الجامعات الأجنبية آنذاك وقدرتها على استخدام قوى فاعلة في السلطة للحيلولة دون قيام هذه الجامعة التي اعتبرها اللبنانيون أحد أبرز مكوّنات استقلالهم الوطني ونهضتهم العلمية وبوابة أبناء الطبقات الشعبية إلى رحاب العلم والعمل والتقدم. وما يقال عن التأسيس، يقال أيضاً عن تطوير الجامعة وتحديثها وتوسيعها وتوفير حقوق أساتذتها وطلابها، ولقد كانت تلك عناوين العديد من التحركات التي عمّت النصف الثاني من القرن العشرين ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

ويروي بشور ان "الحركة الطلابية تميّزت في الستينيات والسبعينيات بحيوية بالغة، ولعبت دوراً مهماً في قيادة مجمل التحركات الشعبية والمطلبية والوطنية والقومية وركّزت برنامجها على عدة محاور تربوية واجتماعية ووطنية وقومية. وكان في مقدمة البرنامج الطلابي، قيام إدارة نقابية موحّدة لطلاب الجامعة اللبنانية، حيث تمّ تأسيس الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة الذي لعب دوراً في قيادة الحركة الطلابية في جامعات لبنان ومدارسه. وكانت شعارات الحركة الطلابية وإضراباتها واعتصاماتها تتركّز على دعم الجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي بكل مراحله وعلى تطوير المناهج التربوية.


انتخابات الاتحاد كانت عرساً ديمقراطياً


نشأت في تلك المرحلة حركات طلابية عدّة بعضها كان عبارة عن امتداد طلابي لأحزاب وتنظيمات قائمة، وبعضها شكل إطاراً مهماً في الحياة الطلابية كـ"حركة الوعي" التي اعتبرها كثيرون اختراقا في الجدار الطائفي. ومن الوجوه الطلابية في تلك المرحلة من برز لاحقاً وتولى مواقع قيادية بارزة في الدولة اللبنانية كوزراء ونواب وسفراء ومدراء عامين، بالإضافة إلى مفكرين ومؤرخين وأدباء وشعراء وصحافيين ومناضلين وشهداء".

ويشدد بشور على ان "الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية كان من أهم الإنجازات النقابية التي حققها طلاب لبنان، وكان إطاراً يجسّد وحدة طلاب لبنان على طريق وحدة لبنان، وكانت انتخابات الاتحاد عرساً ديمقراطياً يتعرّف من خلاله الرأي العام اللبناني على وجهة نظر أجياله الشابة وخياراتهم الكبرى. كما كان فرصة يمارس من خلالها الطلاب الاستحقاق الديمقراطي بكل حرية على طريق ممارستهم الحياة الديمقراطية فيما بعد. فقد كانت حيوية الحركة الطلابية في الجامعة اللبنانية آنذاك قوية ومتنوعة والقيّمون على البلاد آنذاك كانوا يحسبون ألف حساب لردة فعل الطلاب عموماً، وطلاب الجامعة اللبنانية خصوصاً. ويلفت بشور الى انه "كان هناك وعي طلابي واسع للعلاقة الوطيدة بين التطور العلمي والتربوي وبين حرية الوطن وقدرته على مواجهة التحديات، لا سيّما الصهيونية منها، فكان لطلاب الجامعة عين على دراستهم وقضاياهم، وعين أخرى على حدود الوطن وحمايته من العدو.

ولا يبتعد بزيع في رأيه بالاتحاد كثيراً عن الاخرين اذ يؤكد ان "الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية الذي حمى العمل الطلابي من التشتت استطاع تحقيق مكاسب أساسية للطلاب (ابنية جديدة وبعض التجهيزات) الذين لعبوا دوراً أساسياً في تلك المرحلة حتى ان أي شيء كان يتم بعد تحرك الاتحاد، وعلى سبيل المثال التظاهرة التي قمنا بها اثر قصف إسرائيل لمطار بيروت سنة 1968، استنكاراً لاستباحة المطار وطالبنا بتسليح الجيش لمواجهة العدو. في ذلك الحين كنا لا نزال نعيش ارتدادات الشهابية كأهم مرحلة لتحديث البنى الإدارية والتنموية والاقتصادية في لبنان المعاصر، وكان على الأقل هناك استقلالية نسبية للجامعة، في المقابل تم تدجين الجامعة بعد الحرب لتصبح بالكامل ضمن كعكة المنافع التي تتقاسمها الطوائف وزعماؤها الذين وضعوا يدهم على معظم مقدرات البلد".

شارك في إعداد الملف: يقظان التقي، أيمن شروف، كارلا خطار، سارة مطر، هيام طوق ولارا السيد

الحلقة الثالثة: "الجامعيون القدامى" يترحّمون على صرح تغيّر وجهه: من فؤاد أفرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!
الحلقة الثانية: الجامعة اللبنانية من فؤاد افرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!… اليسار واليمين اجتمعا على هدف رِفعة الجامعة .. واليوم تجمعهما الحسرة
الحلقة الأولى: الجامعة اللبنانية من فؤاد أفرام البستاني إلى عدنان السيد حسين!… كانت مصنعاً لثقافة التعدّد وصارت رهينة الحزب الواحد والحركات المرتبطة بالطغاة

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل