#dfp #adsense

السلاح يدخل “سن اليأس” فجأةً وعنوةً

حجم الخط

إنه ربيع الشعوب العربية، وهو حكما بالتالي خريف محور "الممانعة القمعيّة" في المنطقة… إنه خريف الأنظمة "الستالينيّة النفعيّة" في العالم العربي… إنه خريف فلسفة الفتك بالشعوب في مجتمعاتنا الشرق أوسطيّة…

هذا الخريف ضرب المنطقة بسرعة قياسيّة منذ العام 2005. و"حزب الله" الذي يقوم على قاعدة ثلاثيّة الأعمدة: ايديولوجيّة "الممانعة فوق كل اعتبار"(تحت مسمّى المقاومة)، الشبكة الإستراتيجيّة العسكريّة مع إيران عبر سوريا(شبكة الأمان)، والإرتباط الوثيق بالقيادة الخمينيّة (ولاية الفقيه)، هذا الحزب وجد أسسه التكوينيّة تهتز في الباطن من دون أن يظهر هذا الإهتزاز بشكل واضح للخارج.

فمع بداية "ثورة الأرز" في لبنان ضُربت أسس قاعدة "حزب الله" بشكل قوي عندما خسر مشروعه الإيراني المنبع، والذي كان يتلطى خلف شعار "المقاومة"، الإحتضان الشعبي العام في لبنان ما ضعضع العمود الأول في تكوينته وهو مبدأ "الممانعة فوق كل اعتبار"، إذ انتفض في لبنان شعب تهمه مصالح بلاده أولاً، واعٍ لحقيقة قدراته وميّال للأساليب السلميّة في حل النزاعات.

أضيف الى هذا الواقع معطى نوعي تمثل في تحطّم صورة "حزب الله" تحت أقواس المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، بعد أن حوّل "حزب الله" نفسه من قائد "الممانعة فوق كل اعتبار" إلى متهم باغتيال زعيم سني تاريخي بعد حمايته المتهمين الاربعة ورفعهم إلى مقام القديسين.

من جهة أخرى، لم يكن لخروج الجيش السوري من لبنان أي تأثير على العمود الثاني المتمثل بـ"الشبكة الإستراتيجيّة العسكريّة مع إيران عبر سوريا – شبكة الأمان" لأن هذه الشبكة لم تتعرض يوماً إلى أي مساس، فمن منا لا يتذكر كم مرّة اوقف الجيش اللبناني بعد العام 2005 شاحنات محملة بالأسلحة قيل إنها لـ"المقاومة" فلم تتم مصادرتها أو اعتراضها بل تابعت مسارها إلى حيث كانت تتوجه.

ولكن هذا العمود بدأت أسسه تتصدّع مع تصاعد حركة الثورة في سوريا ودكّ احرار سوريا أسوار نظام آل الأسد. فكلما تقدّم الوقت مع نجاح الثورة السورية واكتمال الحصار العربي والدولي لنظام الأسد الذي يفتك بشعبه، كلما أدركت قيادة "حزب الله" أن "شبكة الأمان" هذه المرتبطة بالنظام البعثي تنهار. وهذا ما دفع مسؤولي "حزب الله" الى نقل مخازن أسلحته من الداخل السوري بعدما تيقن أن نظام الاسد ساقط لا محالة، وبالتالي لا أمان بعد ذلك لاستمرار سلاح "الحزب" ومشروعه في المنطقة. وما حديث نصرالله الأخير عن استقدام سلاح مكان الذي يصدأ إلا محاولة يائسة لرفع المعنويات، من دون أن يشرح لجمهوره من أين سيأتي بالسلاح بعد انتصار الثورة في سوريا.

أما من الناحيّة الثالثة، فإن الخلاف الناشب في الجمهوريّة الإسلاميّة بين المحافظين بقيادة المرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة علي خامنئي والبراغماتيين بقيادة الرئيس محمود أحمدي نجاد والإصلاحيين بقيادة مير حسين موسوي ليس خافياً على أحد. ومن يعرف جيّداً هيكليّة "حزب الله" يدرك أن هذا الحزب لا يتصل بالقيادة الفقهيّة في إيران عبر رأسه فقط وإنما يتواصل معها عبر خطوط ترابط عدّة يقوم بها قادة في مواقع مختلفة في الحزب مع قادة في مواقع مختلفة في القيادة. وهذا ما جعل تأثير الخلاف الناشب في طهران على الحزب أمر لا مفرّ منه، حيث من المنطقي أن ينعكس ارتباكاً وتباطؤاً في اتخاذ القرار وحتى ضبابيّةً في الرؤية وإبهاماً في المسار.

إن هذا الواقع جعل من العمود الثالث والأساس الذي تقوم عليه قاعدة "حزب الله" يتصدّع ويهدد الحزب بالسقوط والإنفراط.

أمام هذا الواقع، يقف "حزب الله" عقيماً على الصعد كافة، العسكريّة والسياسيّة والتنظيميّة، لا قرار حاسماً ولا توجه واضحاً، بل ترقب لخواتيم ما ذكرنا من مشاكل. ما دفع بأمينه العام السيّد حسن نصرالله إلى الإعتماد على ما يتمتع به من وقار وهيبة وهالة بنظر جمهوره من أجل أن يحاول الإيحاء لـ"شعب المقاومة" تضليلاً أن ما يشعرون به من ضعف وإرباك ومشاكل إنما هي أوهام غير مرتبطة بالواقع. وهذا ما يفسّر بشكل منطقي أسباب وظروف وتوقيت اطلالته الشخصيّة في ملعب الراية في الضاحيّة يوم العاشر من محرّم وعودته إلى خطاب "عرض العضلات" وقوله "المقاومة أقوى من قبل (…) السلاح يتجدد (…) عديدنا يكثر وعتادنا ايضاً". فهذه العبارات الثلاث تحاول طمس حقيقة التصدّع في أعمدة قاعدة الحزب الثلاثيّة.

هكذا ينتقل "حزب الله" منذ اندلاع الثورة السوريّة من حال "شعور بفائض القوّة" إلى حال "شعور بالخطر المحدق"، ومع تمادي هذه الثورة وتطوّرها انتقل إلى حال "شعور بالعجز". لماذا العجز وليس الضعف؟ لأن الحزب، بما انشئ عليه من ذهنيّة، يعتقد أن السلاح الذي يملكه يوفر له الضمان الذي في أسوء أحواله يمكنه المساومة عليه من أجل كسب بطاقة أمان سياسيّة في أي تغيّر جذري للأوضاع في المنطقة.

من جهة أخرى، لا يدرك "حزب الله" أن هذا السلاح أصبح اليوم عقيماً لأنه لا يمكنه استعماله مع تصدّع القاعدة الثلاثيّة الأعمدة التي يقوم عليها، لان في ذلك سقوطاً محتّماً لهذه القاعدة في ظل حالها الراهنة، وهذا ما يحوّل الحزب إلى مجرّد زمرة داخليّة مسلّحة لا ضرورة لإجراء حسابات إقليميّة في حال اتخذ قرار انهائها.

في النهاية، إنه ربيع العرب الذي ادخل السلاح في "سن اليأس" بشكل مفاجئ وعنوةً قبل اتمام مهامه على الصعيدين المعلن والضمني. فلا يجب ان يتفاجأ أحد بعد اليوم بأي خطب رنانة قد تطلق أو مواقف متحجّرة قد تتخذ او حتى إطلالات عصبيّة وهستيريّة لقيادات "حزب لله" لأن هذا السلوك طبيعي ومبرهن علمياً في حالات بلوغ "سن اليأس".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل