مرّ وقتٌ كانَ فيه "حزب الله"، بحيويّته القتاليّة وهالة زعيمه، "نخبة الممانعة"، ونافذتها المقبولة على العالم العربيّ، والأهمّ من ذلك، محطة إنتاج الطاقة البديلة للنظامين الاستبداديين السوريّ والإيرانيّ، أي الطاقة التي تغني عن مصادر الشرعية الداخليّة، والتي تسند التحالف بين النظامين، وتؤمّن الهيمنة الاستراتيجية المتعاظمة لإيران الخمينية على سوريا البعثيّة.
لكن الوقت يتبدّل، وهذه الهيمنة الاستراتيجية لإيران الخمينية على سوريا البعثيّة، هي بيت القصيد. فلئن كان البعض يستمرّ في النظر إلى هذه الهيمنة على أنّها ما يحفظ شوكة النظام البعثيّ إلى الحين، فإنّه يرى الشجرة دون الغابة. والغابة إذا جرت معاينتها تقول لنا إنّ تبعية سوريا المتزايدة لإيران هي سبب أساسيّ من أسباب تصدّع النظام واشتداد الثورة. النظام السوريّ، يترنّح ويحتضر وينهار، متأثّراً بمنطق تحالف غير سويّ مع إيران الكبرى، نظام ولاية الفقيه، وإيران الصغرى، "حزب الله".
فبين حافظ الأسد وبشّار الأسد نجد اختلافاً بيّناً في طريقة التصرّف حيال المسألة المذهبية وتقاطعها مع الحسابات الاستراتيجية. الأسد الأب فهم مبكراً أنّ "الشبه المذهبيّ" بين عصب نظامه وبين إيران هو في الوقت نفسه عنصر تقارب، وعنصر يقتضي حفظ المسافة، خصوصاً وأنّ الشبه نفسه محدود على الصعيد المذهبيّ (عقائد النصيريّة وأعرافهم شيء، وعقائد الإماميّة وأصولهم شيء آخر)، ومحدود على الصعيد الأيديولوجيّ (البعثية، الأمويّة، حتى لو كانت بلباسها الأسديّ، في مقابل الخمينية، الكربلائية)، ومحدود على الصعيد الاستراتيجيّ (اختلاف السياستين السوريّة والإيرانية في حال لبنان). وعندما تمكّن الأسد الأب من القمع الدمويّ، شبه الإباديّ، لانتفاضة حماه وجماعة الإخوان عام 1982، كان يدرك جيّداً أن هذا التحدّي "مذهبيّ" و"أيديولوجيّ" في الوقت نفسه. أي أنّه في شقّه "المذهبيّ" تحدّ لا يتوقف على القمع الدمويّ الإباديّ بعده، بل ينبغي أن يتبعه تنصّل النظام من بعض أجنحته كجائزة "ترضية" للضحايا. أمّا في شقّه "الأيديولوجيّ" فقد فهم الأسد الإبن أنّ التحريك الإسلاميّ في سوريا بداية الثمانينات كان يستمد طاقة اندفاعه، من استلهام مثال الثورة الإيرانية نفسها.
في المقابل، تعامل بشّار الأسد مع المسألة المذهبية تبعاً لأجندة أخرى. باشر حكمه بمحاولة إضفاء مسحة "سنيّة" على العائلة الرئاسية الصغرى، وإرساء قواعد متينة مع قطاعات من رجال الأعمال، والتعويل على علاقة واعدة مع تركيا، وبعد الاحتلال الأميركيّ للعراق، رمى بشّار الأسد بكلّ ثقله في استيراد وتصدير المجموعات المتطرفة للقتال في العراق، ويبدو أنّه حسب نفسه حصيناً بما فيه الكفاية على الصعيد السنيّ الداخليّ، ليتمكّن من إطلاق العنان لسياسة متطرّفة لمصلحة شبكات "النظام الأمنيّ" في لبنان.
إلا أنّ هذه "المسحة السنيّة" للنظام البعثيّ سرعان ما انقلبت الى "مسحة شيعية". ويعود هذا بشكل أساسيّ إلى حرب تمّوز في لبنان، وما بعدها. فمحور الممانعة السوريّ – الإيرانيّ تعامل مع "الانشطار الكيانيّ المذهبيّ" في لبنان بموجب هذه الحرب لا كأمر مؤسف ينبغي محاصرته، إنّما كمجال لا بدّ من تشجيع "حزب الله" عليه، وصولاً إلى إحلال غلبة فئوية صريحة. هذا، وقد قضت ويلات حرب تمّوز نفسها، بأن تأتي هذه الغلبة محقونة على الدوام، وأبعد ما تكون عن مناخات غلبة مرتاحة مع نفسها، أو قادرة على طرح نفسها كصمام أمان للاستقرار والأمان في المجتمع، كما كانت الحال مع المشاريع الهيمنية الفئوية السابقة في تاريخ لبنان.
والأخطر من ذلك، أنّ عقيدة "النصر الإلهيّ" جاءت بمضمون أيديولوجيّ مذهبيّ يربط أسطوريّاً بين مسارات ثلاثة: أولاً، الاحتلال الأميركيّ للعراق والأطماع الإمبراطوريّة الإيرانية المنبعثة بسبب ذلك. ثانياً، الانتفاضة الفلسطينية الثانية ورحيل ياسر عرفات ثم انشطار الفلسطينيين بين "فتح" و"حماس" وعضوية حماس في حلف الممانعة. وثالثاً، "الانتصار الإلهيّ" في حرب تمّوز.
واتصلت بذلك قراءة أيديولوجية مذهبية متطرّفة تنطلق من القياس التالي: الجماهير العربية بدت أكثر من متحمّسة لظاهرة حسن نصر الله في أيّام حرب تمّوز، وبما أنّ جذور هذه الحماسة تعود إلى أيّار 2000، بل إلى نيسان 1996، فهذا يعني فرصة تاريخية لإعادة صياغة الأمة لتكون على صورة "حزب الله" ومثاله.
وبالفعل، استطاعت هذه القراءة الثلاثية أن تحقّق رواجاً خطيراً لمشتقات الأيديولوجيا الإيرانية الرسمية. لكن لم تلبث أن توفّرت عناصر أساسية قامت بتفكيك هذه القراءة.
أولاً، ارتدادات الغلبة المذهبية في العراق ولبنان على مجمل المنطقة، وانتشار خشية مبالغ بها على هذا الصعيد، لكنها عمّت سائر البيئات الشعبية، خصوصاً في سوريا.
ثانياً، التوقف العمليّ لـ"جهاد" حزب الله في جنوب لبنان، وانتقاله إلى قتال "الشركاء في الوطن"، ما كان يبدو مقنعاً لبعض البيئات العربية في البداية، لكنه صار "مملاً" ثم "غير مفهوم" ثم "مريباً" ثم "مداناً" بعد ذلك.
ثالثاً، شعور فلسطينيّ وعربيّ عارم، بصرف النظر عن موضوعيّته أم لا، بأنّ منظومة الممانعة تركت "حركة حماس" لوحدها أثناء حرب غزّة، وأنّ المكابرة الكلامية لـ"حزب الله" لا تختلف فعلياً عن الموقف غير القوميّ أبداً لحسني مبارك بعدم فتح معبر رفح. هذا، في مقابل الانشداد الى الموقف التركيّ وتثمينه بشكل متعاظم منذ مواقف رجب طيب أردوغان في حرب غزّة، وصولاً إلى أيّار 2010، وحادثة سفينة مارمارا.
رابعاً، القمع الفظيع الذي تعرّضت له الثورة الخضراء في إيران على يد الميليشيات الشبيهة بـ"حزب الله"، بل تصرّ أوساط المعارضة الإيرانية على تسليط الضوء على مشاركة ميدانية ناشطة لـ"حزب الله" اللبنانيّ نفسه، وليس لنا أن نقبل بذلك أو نرفض، لكنه جزء محوريّ من السجال الإيرانيّ الداخليّ منذ سنوات.
كل هذا، لم يلبث أن ارتدّ سلباً على موقع النظام السوريّ ضمن منظومة الممانعة، الذي تعرض للقضم الأيديولوجيّ بسبب الغلوّ المذهبيّ لحليفيه، إيران "وحزب الله"، فما كان له في نهاية المطاف، وعند انطلاقة الثورة عليه، سوى الارتماء في أحضان هذا الغلوّ نفسه، سواء من ناحية استعارة بعض موشّحات "الإسلاموفوبيا" للتحذير من خطر السلفيين والتكفيريين إذا ما سقط حكم البعث التنويريّ في سوريا، أو من ناحية الجمع الفظيع بين لعب ورقة "الأقليات في خطر" وبين القول عملياً بأنّها لا تكون في مأمن إلا إذا استمرّ القمع الدمويّ اليوميّ.
وهنا، نترك للسوريين تقدير درجة مشاركة "حزب الله" في هذا القمع. ما يهمّنا هنا تظهير مفارقة واحدة، على جانب من الأهمية. في بداية الثورة، كان مطلب المعارضين السوريين للاستقلاليين اللبنانيين هو "التعتيم" على كل ما من شأنه اتهام "حزب الله" بالمشاركة في القمع، حتى مع بداية ورود أخبار من هذا النوع. في ما بعد، صار التنديد بـ"حزب الله" وأمينه العام من الشعارات والأهازيج الوطنيّة للثورة السوريّة. تكفي هذه المفارقة للقول إنّه إذا كان لـ"حزب الله" إسهام في القمع، فإنّ له بالتأكيد إسهاماً في الذهاب بالنظام السوريّ نحو.. الهاوية.
