كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية": إذا كان استمرار الحكومة أهمّ لـ"حزب الله" من تمويل المحكمة، فإنّ احتفاظ "الحزب" بالعماد ميشال عون هو أكثر أهميّة له من الحكومة. فبواسطته صنع "المعجزات" السياسية. ولن يفرّط "الحزب" بالورقة المسيحية، خصوصاً مع اهتزاز "التموضع الدرزي" في الغالبية الحالية.
لو خسر "حزب الله" وحركة "أمل" – افتراضاً – حضانتهما لعون، فيما يهتزّ تموضع النائب وليد جنبلاط الاضطراري داخل الغالبية الحالية، فسيعني ذلك احتمال عودة المعادلة السياسية إلى ما كانت عليه في آذار 2005: حالة شيعية تختصر حركة 8 آذار، في مقابل الحالة الجامعة للطوائف الأخرى في 14 آذار. وهذا منزلق سيبذل الثنائي الشيعي ("حزب الله" وحركة "أمل") ما يمكن لعدم العودة إليه.
فعون وجنبلاط "لاجئان سياسيان" من 14 آذار إلى 8 آذار والغالبية الحالية. لكن أصداء خطاباتهما وشعاراتهما ما زالت تتردّد في ساحات "ثورة الأرز". وقواعدهما الشعبية ما زالت تنتمي "وجدانياً" إلى هذه الحركة، على رغم حالة "الاغتراب القسري" التي فُرِضت عليها، في ظروف متباينة، وانطلاقاً من دوافع مختلفة لدى كل من "التيار" وجنبلاط. وتسجّل أوساط "حزب الله" باهتمام لافت أن القواعد العونية اندفعت سريعاً، وفي قوة، إلى التعبير عن سخطها من سلبيات الواقع الناتج عن التحالف بين "التيار" و"الحزب". وبدا كأنّ هذه القواعد تنتظر الفرصة لتفجير نقمتها. وترى هذه الأوساط أنّ ذلك يؤشّر إلى وجود احتقان مزمن لدى هذه القواعد.
لذلك، يعمل قادة "الحزب" على أرفع المستويات لاستدراك الخلل ووقف "الغضب" العوني، لأنّ الحاجة إلى عون ضرورية على رغم ما قد تكلّف من تضحيات، كما كانت الحاجة ضرورية لتمرير المحكمة وإنقاذ الحكومة والغالبية الحالية. فـ"الحزب" يتحلّى بأوسع قدر من البراغماتية. والوسطاء من "الحزب" والحركة و"التيار" ينشطون لتهدئة خواطر "الجنرال"، فلا يذهب إلى اجتماع بكركي بعد غدٍ الجمعة متوتّراً من حلفائه، لأنّ ذلك قد يُترجَم بجنوح الاجتماع أكثر إلى مواقف تنتقد 8 آذار، وهو ما لا يريده "الحزب". ويتردّد أنّ جهداً استثنائياً سيبذل لعقد لقاء حاسم على مستوى قيادي قبل الجمعة لهذه الغاية.
بحثاً عن ملموسٍ يُرضي عون
لن يترك "حزب الله" مجالاً لعون ينفذ منه إلى خارج "التفاهم". لكن عون الذي "يعرف مكانه ويتدلّل" يريد شيئاً ملموساً ليرضى، هو وقواعده المحقونة. ولا يعرف "الحزب" عن أي شيء "ملموس" يستطيع التخلّي لعون. وتتوقع مصادر "التكتل" أن تتمّ الاستجابة لكثير من مطالبه، وتغيير نهج التعاطي معه داخل مجلس الوزراء، عقب الأزمة الأخيرة. وتراهن المصادر على أن "الحزب" الذي يترجم واقعيته السياسية في الاستجابة لرئيس الحكومة، والتعايش معه في ظروف حسّاسة، سيجد أن من الأَوْلى له أن تكون واقعيةً الاستجابة لمطالب الحليف المسيحي الأقرب.
المصادر القريبة من "الحزب" تؤكد أن ما حصل عليه عون منذ إقرار "وثيقة التفاهم"، في مقاعد النواب والحصص في الحكومة وسواها ليس قليلاً، وأن هناك عناصر عديدة وتوازنات تُملي على "الحزب" خطواته في داخل مجلس الوزراء، ولا بدّ أن "التيار" يدركها وسيتفهّمها.
وفي انتظار تفكيك العبوة في العلاقة مع "التيار"، يجد "حزب الله" مجالاً لـ"تبريد" جنبلاط، الذي يدرس المعطيات في كل لحظة لاتخاذ خطوات تثبت تموضعه السياسي. فجنبلاط حريص على تمييز علاقته بـ"حزب الله" عن علاقته بالنظام السوري، لاعتبارات تتعلّق بواقع الجبل. ومعلوم أن جنبلاط خرج من 14 آذار بفعل المواجهة مع "الحزب" في أيار 2008. وهو يحتفظ بالعلاقة مع "الحزب" حتى إشعار آخر. لكن هذه العلاقة قد تتخذ أشكالاً أخرى إذا ما تطوّرت بعض الملفات، سواء قانون الانتخاب أو المحكمة الدولية أو الجنوب أو حتى الملف السوري. وقد يصل جنبلاط فعلاً إلى الخروج من الأكثرية الحالية، فتسقط. وهذا الأمر يقلق "الحزب".
من هنا، سيفتح "حزب الله" سريعاً ورشة ترميم العلاقات الداخلية مع الحلفاء والشركاء، لأن له مصلحة حيوية في إبقاء "الستاتيكو" الحالي. وهو لن يستكين في التعاطي مع موجات الاعتراض الصادرة عن الرابية. كما سيحاول جاهداً، بدعم رئيس مجلس النواب نبيه برّي، تأخير أي تموضع جديد للمختارة، إلى أن "يقضي الله أمراً كان مفعولاً".