#adsense

الحِبر العجائبيّ

حجم الخط

منذ أن استشهد صاحب القلم، والقلم لا يزال يسقي الأوراق البيضاء آلاف السّطور، عن الشباب، عن الثورة، عن الحريّة، عن المستقبل… كسيف النبي إيليّا يَبقى القلم مسنونا، حادّاً يقطع رؤوس الظالمين والمستبدّين والأنبياء الكاذبين، يوماّ بعد يوم، ذكرى بعد ذكرى. ترى ألا يجفُّ قلم الأحرار؟ أم أن أقلامهم عجائبيّة، ترشح حبراً مئات الأعوام بعد غيابهم، كما ترشح أجساد القدّيسين زيتاً مقدّساً يُضيء سراج الشعوب في ظلمتها الحالكة. نعم الفرق بين النور والظلمة كلمة". كان الشعار، وكنت أنت الكلمة. غريب، الحاكم الصّالح يستشهد. يتوقف حكمه. نبكيه. ثمّ يتحوّل في القلب صورة حبيبة في برواز خشبيّ، مثل خشب تابوت المشوار الأخير. الصّحافيّ الحرّ، لا نبكيه بل نثور. لا يدخل القلب، بل يسكن العقل أفكاراً ومثالاً. يتحوّل إزميلا أبديا ينحت فينا مبادئ وأحرف مجد وحريّة وأحلاماً. موته ينحتنا كالصّخر. لم نكن ندري أن القلم أقوى من الذاكرة البشريّة. لم نكن ندري أن القلم يلد كلمات بعد موت صاحبه، والكلمات تلد أناشيد وأساطير. لم نكن ندري أن بداية الحريّة حبر، قبل أن تكون دماً.

هذه السّنة، صادفت ذكرى استشهاد جبران تويني، اليوم الأوّل من الأسبوع. ذكرني ذلك بمقطع من إنجيل يوحنا، ورد فيه أنه، في اليوم الأوّل من الأسبوع أيضاً، بكرت مريم المجدليّة إلى قبر يسوع، وكان الظلام لا يزال مخيّماً، فرأت الحجر قد رُفع عن باب القبر. ركضت وأبلغت سمعان بطرس وتلميّذاً آخر. ودخل التلاميذ القبر فرأوا الأكفان ملقاة على الأرض، والمنديل الذي كان على رأس يسوع ملفوفاً وحده في مكان منفصل عن الأكفان. وكان التلاميذ لا يعرفون، حتى ذلك الوقت، أن الكتاب تنبّأ بأن صاحب " أنا الكلمة" قائم حقاً من بين الأموات. ثمّ عاد التلميذان إلى بيتيهما. وهكذا نحن، نعود إلى بيوتنا، بعد كلّ قدّاس جنائزيّ في ذكرى جبران. وكلّ سنة، نرى القبر مفتوحاً. وندخل، فلا نرى كفناً ولا شهيداً، بل شعاع نور يشق الظلمة، ويتهادى على صحيفة مطويّة، تتجدّد فيها السّطور كلّ يوم. إنّ الحرّ لا يموت. فلا تبحثوا عن جسده، لأنه مثل النور. للحرّ قيامة يوميّة، لأن لكلّ حرّ نهار جديد. فما من نظام ولا من مخابرات، ولا من أمير ظلمة يستطيع أن يُفجّر أكثر من سيّارة. الكلمة تبقى لأنها نور أبديّ. الكلمة هي البداية!

المصدر:
النهار

خبر عاجل