كتب جمال الجراح في "السفير":
طالعنا النائب إبراهيم كنعان بمقالة في صحيفة «السفير» على حلقتين تحت «عنوان من يفرج عن الحسابات والأرقام؟» و«أسئلة برسم خزنة وزارة المال» نشرت يومي 28 و29 تشرين الثاني، لم يكتف فيها بالتضليل في شأن الحسابات، بل في إيراد تخرصات ساقها من أجل تغطية أخطاء ارتكبها في ادعاءاته تثير الاستهجان نتيجة لعدم معرفته بالأسس والمبادئ المحاسبية إن لم يكن أكثر.
وبالرغم من أن الناس ملّت من هذه الادعاءات الفارغة والمملّة، إلا أننا رأينا أنه قد يكون من الضرورة أن نوضح مجددا بعض الأمور المغلوطة حول مسائل حصلت قبل ثمانية عشر عاماً وخلال الفترات الزمنية التي سبقت تولي الرئيس رفيق الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية، وذلك بحسب ورودها في مقالته.
أولاً: في موضوع تصفير الحسابات في الأول من كانون الثاني 1993:
لقد أوضحنا لسعادته مرارا أنه لم يكن هناك من تصفير للحسابات في مطلع العام 1993 بالمعنى الذي يحاول النائب كنعان إيهام الناس به، فهو قد حاول مرارا إيهام الناس أن موجودات الخزينة من أرصدة نقدية، إن في الصناديق أو في المصرف المركزي في مطلع العام 1993، قد تم إخفاؤها وجعل رصيدها صفراً وصولا إلى ادعائه أنه قد جرى تسهيل سرقتها. والحقيقة أنه قد أوضحنا لسعادة النائب، وبينا له بالوثائق والمستندات، أن تعداد الموجودات النقدية في صناديق وزارة المالية ورصيد حساب الحزينة في مصرف لبنان آنذاك هي مدونة وموثقة في سجلات وزارة المالية وأنها دخلت جميعها في موجودات الخزينة آنذاك، وبالتالي فإن القول بتصفير الحسابات أي الانطلاق من الصفر في ما خصّ الأرصدة النقدية في نهاية العام 1992 وبالتالي بداية العام 1993 أمر غير صحيح.
إذاً، ما هي حقيقة ما يدعيه عن تصفير الحسابات؟ لقد كنا كررنا وأوضحنا له عدة مرات أنه، بسبب الحروب العبثية والاختلاسات، والتي حصلت خلال الفترة ما قبل تولي الرئيس الحريري رئاسة الحكومة، بما فيها تلك الحروب التي تسبب بها رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، والتي أدت إلى احراق وتلف مستندات كثيرة في وزارة المالية والعائدة للأعوام 1990 وما قبل ولم تتمكن مديرية الخزينة لدى الوزارة من إعداد حساب المهمة لتلك الأعوام مثلما لم تتمكن في إعداد قطوعات الحساب للموازنة عن السنوات 1979 ـ 1992. ولذلك عند تشكيل حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الأولى في نهاية العام 1992، حاولت وزارة المالية إعداد حسابات المهمة للأعوام 1991 و1992، لكنها لم تتمكن من انجاز هذا الأمر بسبب غياب الحسابات الافتتاحية للعام 1991.
وللإيضاح، فإن إعداد قطع حساب وحساب مهمة لسنة معينة ينطلق مما يسمى ميزان الدخول أي الأرصدة الافتتاحية لتلك الحسابات. فالحسابات الختامية لعام ما تشكل الحسابات الافتتاحية، أي ميزان الدخول، للعام الذي يلي.
والحقيقة في هذا المجال، أن وزارة المالية والحكومات المتعاقبة وعلى مدى السنوات 1979 وحتى العام 1992 لم تستطع أن تعد قطوع الحسابات وكذلك حسابات المهمة لثلاث عشرة سنة متعاقبة. هذا يعني أنه، للتوصل إلى أرقام صحيحة لكامل أرصدة الحسابات الافتتاحية للعام 1993، كان يفترض أن يصار إلى إعداد قطوع الحسابات وحسابات المهمة عن جميع هذه السنوات منذ العام 1979، وهو ما كان يمثل استحالة من الناحية العملية.
تجاه هذا الواقع، فقد أدرجت في قانون قطع حساب العام 1993، الذي أقره مجلس النواب، آنذاك مادة أعفيت بموجبها وزارة المالية من إعداد حسابات المهمة وقطع الحسابات للأعوام 1990 وما قبل. واستمرت الوزارة في محاولتها إعادة تكوين حسابات الأعوام 1991 و1992 لكن بلا طائل.
وكي لا تبقى حسابات الدولة غير منتظمة، اتخذ وزير المالية آنذاك قراراً سمح بموجبه للإدارات المعنية بأن تمسك وتعد الحسابات ابتداء من العام 1993 من دون استكمال جميع الأرصدة الافتتاحية للعام 1993 بانتظار معالجة حسابات الأعوام 1991 و1992. وهذا ما يطلق عليه النائب كنعان تصفير الحسابات. لكن ما فات عن باله أن المبالغ التي كانت موجودة في الصناديق والحسابات قد تمّ إدراجها والانطلاق منها أي احتسابها.
وبناء على ذلك، أدرجت مادة في قانون موازنة العام 2005، التي أعفت وزارة المالية من إعداد قطع الحساب وحسابات المهمة للأعوام 91-92 ووضعت الأطر القانونية لمعالجة موضوع الحسابات الافتتاحية، على أن توضع موضع التنفيذ بقرار مشترك يصدر عن وزير المالية ورئيس ديوان المحاسبة.
من جهة أخرى، حاول النائب كنعان إطلاق الشكوك مجدداً حول ما جرى وذلك عن طريق إيهام الرأي العام أن 27 من أصل 30 محتسبا تقدموا بحساباتهم عن السنوات 1991- 1992 وأن ثلاثة محتسبين مركزيين فقط لم يقدموا حسابات الأعوام 1991- 1992، واستطرد ليستنتج أنه بناء على هذه المعطيات كان بالإمكان إعداد حسابات المهمة عن هذين العامين. إن هذه الواقعة تدل على عدم دراية ومعرفة النائب كنعان بأسس المحاسبة وقواعدها. وفي هذا المجال نفيده أن عمليات المحتسبين المركزيين الثلاثة المذكورين تشكل ما يزيد على 90% من عمليات الخزينة، فهل يعقل أن تعد حسابات نهائية استناداً فقط إلى ما يمثله فقط عشرة بالمئة من مجموع العمليات؟
ويسترسل النائب كنعان باستنتاجاته التي تظهر عدم درايته في الأصول المحاسبية، زاعما ان تصفير الحسابات، لكونه عملية غير قانونية ولا تتفق مع الأصول المحاسبية السليمة، قد أدى إلى عدة اختلالات ساقها في معرض تلك الاستنتاجات. ونورد في ما يلي ردنا عليها:
الاستنتاج الأول كما ادعى سعادته هو عدم وجود محاسبة وحسابات سليمة لمدة 18 سنة.
إن النائب كنعان يريد أن يتجاهل أن حسابات الدولة منذ العام 1993 ممسوكة وموثقة ومدونة وفق الأصول، لكل سنة من السنوات، وحيث عاد الانتظام بداية إلى إعداد الموازنات وتقديمها في مواعيدها الدستورية في العام 1995 كما عاد الانتظام إلى تقديم قطوعات الحساب وحسابات المهمة منذ العام 1993.
في مجال آخر، فإنّ النائب كنعان يعلم علم اليقين أن وزارة المالية، منذ مطلع العام 1995، أطلقت ورشة عمل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي لوضع أسس وأنظمة محاسبية جديدة مبنية على نظام القيد المزدوج، ووضعه موضع التنفيذ مطلع العام 1997، وهو ما أصبح يؤمن المزيد من الضوابط المحاسبية على الحسابات العامة للدولة.
كذلك فإن النائب كنعان يعلم علم اليقين، وهذا ما بيناه له مرارا وتكرارا، أنه خلال العامين 1999 و2000، وهي الفترة التي لم يكن فريقنا السياسي على رأس وزارة المالية، لم يتم إنجاز أي من الحسابات العائدة للأعوام 1997 ولغاية العام 2000، حيث كان آخر حساب مهمة معدا ومرسلا إلى ديوان المحاسبة آنذاك هو حساب مهمة العام 1996. أي أن الحكومة التي تولت المسؤولية في البلاد خلال العامين 1999 و2000 لم تقم بإعداد أي حساب مهمة عن الأعوام 1997- 1999. ذلك ما أدى إلى تراكم أعمال تدقيق وإعداد الحسابات النهائية لتلك الأعوام. ولقد عمل الرئيس السنيورة بعد ذلك والوزراء المتعاقبون على إنجاز تلك الحسابات وتقديمها إلى ديوان المحاسبة وصولا إلى حسابات العام 2000 الذي أودع ديوان المحاسبة في 4 حزيران 2005، حيث توقف بعدها إرسال حسابات المهمة إلى ديوان المحاسبة بانتظار معالجة مشكلة حساب الدخول الذي عولج كما ذكرنا في قانون موازنة العام 2005. ويعود السبب في ذلك أيضاً إلى عدم مبادرة مجلس النواب آنذاك إلى إقرار أي من الموازنات التي جرى إعدادها من قبل حكومات الرئيس فؤاد السنيورة وسعد الحريري نظراً للإقفال القسري لمجلس النواب ونعني بذلك موازنات الأعوام 2006- 2009.
إن عدم إرسال الحسابات خلال تلك الفترة إلى ديوان المحاسبة لا يعني بتاتا عدم إنجازها من قبل المحتسب المركزي، بل استمرت الإدارات المعنية في مسك تلك الحسابات وتدوينها وتوثيقها بانتظار معالجة معضلة ميزان الدخول، وهو الأمر الذي عولج كما سبق وذكرنا في قوانين موازنة العام 2005، التي على أساسها أعد القرار المشترك بين وزارة المالية وديوان المحاسبة لوضع الأسس القانونية والإجراءات العملية لمعالجته.
أما الاستنتاج الثاني الذي توصل إليه النائب كنعان فهو ادعاؤه أن ما أسماه تصفيرا للحسابات «جعل المال العام سائباً…الخ». وهنا نقول لسعادته، كفاك خلطا للأمور:
أليس من استباح أموال الخزينة وصادرها ودمر مباني وزارة المالية ومستنداتها في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، هو من استباح الدولة وهدر المال العام؟
لا نظنك تجهل، بل لعلك تتجاهل، أنه بحسب الأصول المعتمدة في الدولة اللبنانية، فإنّ من ينفق الأموال ليس وزارة المالية بل الإدارات والوزارات المعنية التي تتولى تنفيذ موازناتها وتقوم بتلزيم اللوازم والخدمات والأشغال العائدة لها.
ألا يعلم سعادة النائب أن مسؤولية وزارة المالية، كما ديوان المحاسبة، تنحصر بالتدقيق بقانونية تلك النفقات وبتوفر اعتماداتها، ويبقى تحديد المواصفات والتلزيم واستلام الأشغال واعتدال الأسعار هي من مسؤولية الإدارات المعنية.
أليس هدراً للمال العام تحميل الخزينة أعباء إضافية غير مبررة من أجل دفع كلفة فوائد الاستدانة الإضافية لتمويل نفقات الخزينة التي فاقت لتاريخه 150 مليون دولار بسبب مصادرة وحجب أموال تتعدى مبالغها الملياري ونصف المليار دولار أميركي عن الخزينة والصندوق البلدي المستقل والمتمثل بعائداتهما من الاتصالات؟
أليس من يمعن في رفض التعامل مع الصناديق العربية والدول المانحة لتمويل مشاريع الكهرباء، هربا من الرقابة التي تمارسها تلك الصناديق على عمليات التلزيم خلافاً لما نصّ عليه القانون الذي أقره مجلس النواب بمبلغ 1.2 مليار دولار، ما يكبد الخزينة أعباء ومخاطر مالية إضافية لتمويل تلك المشاريع، هو الذي يرفض الالتزام بقواعد الشفافية والإفصاح بما في ذلك الإصرار على عدم عرض دفاتر الشروط على مجلس الوزراء بسبب أنه يصر على صياغتها بالطريقة التي تلائم شركات معينة بهدف تحقيق مكاسب شخصية على حساب المكلف اللبناني والمال العام ويستبيح ويهدر المال العام؟
وما دمنا في الحديث عن الكهرباء، فإنّ العجب العجاب ما حصل مؤخراً من تلزيم خلافاً للقانون وللدستور ولصلاحية مجلس النواب حيث أقدم وزير الوصاية جبران باسيل على تلزيم عدة Service Providers كمقدمي خدمات في مناطق مختلفة في لبنان بمبالغ تصل إلى ما يزيد على 800 مليون دولار وهي المبالغ التي سيصار إلى إنفاقها من حساب المال العام خلافاً للأصول وخلافاً لرأي الهيئات الرقابية وهي المبالغ التي سيصار إلى استيفائها على دفعات من جبايات الكهرباء عبر مقدمي الخدمات هؤلاء. هذا الأمر بطبيعته كإنفاق استثماري وان استيفاءه من الجبايات سوف يتم خلافاً للأصول ويتطلب قبل أي شيء آخر نصاً تشريعياً من مجلس النواب.
فإن كان من اتهام يسعى سعادة النائب إلى توجيهه بهذا الخصوص فبالتأكيد ليس لوزارة المالية في تلك السنوات الماضية، بل لبعض الوزارات والإدارات ومنها تلك التي تسلم مسؤوليتها في السنوات الثلاث الماضية وزراء ينتمون إلى تيار سعادة النائب.
الاستنتاج الثالث، هو ما ساقه سعادة النائب من عدم مطالبة الدولة بما لها من حقوق على الغير محاولا تعزيز مقولته هذه بادعائه أن هناك أكثر من خمسة آلاف مليار من سلفات الخزينة مجهولة المصير.
ألا يعلم سعادته أن ثلاثة آلاف مليار، من أصل قيمة السلف غير المسددة، هي على ذمة مؤسسة كهرباء لبنان. فكيف يمكن لمؤسسة كهرباء لبنان تسديدها وهي التي ترزح تحت عجز يكبد الخزينة ما يقارب ملياري دولار سنويا؟ ولماذا لم يقم وزراء الطاقة من التيار الوطني الحر بتسديدها إذا كان بإمكانهم ذلك؟
ألا يعلم سعادته أن العديد من السلف، خاصة التي أقرت في الأعوام 2009 و2010، ومنها تلك التي أعطيت لوزارة الطاقة ووزارة والاتصالات، أعطيت مقابل اعتمادات ملحوظة في مشاريع موازنات تلك الأعوام، وأن طريقة تسديدها وفق مراسيمها تكون من اعتمادات الموازنة. فكيف يمكن تسديدها وموازنات تلك الأعوام لم يجرِ إقرارها بعد؟
إن عدم دراية سعادته بموضوع إدارة المالية العامة ومسك حساباتها ساقه إلى هذا الاستنتاج الخاطئ. فبالله عليك، ننصحك بالتدقيق بالأمور قبل إطلاق الاستنتاجات. ونحن نحث سعادة النائب بل نطالبه بأن يطالب وزارة المالية بإيداعه نتيجة عمل اللجنة التي قامت بتدقيق سلفات الخزينة من العام 93 وحتى 2010 ضمنا وان يقوم هو شخصيا بإطلاع الرأي العام عليها ويعتذر من الشعب اللبناني على ما ساقه من أضاليل.
أما الاستنتاج الرابع فهو أن تصفير الحسابات أدى إلى امتناع الدولة عن دفع حقوق الغير كأموال البلديات المتراكمة في الصندوق البلدي المستقل من عام 1980 ولغاية آخر عام 1992.
وهنا نسأل النائب كنعان، هل يمكن أن يشرح لنا كيف يمكن تحديد عائدات تلك السنوات في ظل عدم وجود الحسابات العائدة لها؟ ألا يعلم سعادته أن وزارة المالية، بالتنسيق مع وزارة الداخلية كانت تعطي البلديات سلفات خزينة خلال تلك الأعوام، وأن مجلس النواب أقرّ مشروع قانون أعفيت بموجبه البلديات من تسديد تلك السلفات والفوائد المترتبة عليها؟ وعلى أي حال فإن هذا الأمر تسأل عنه الحكومات السابقة من العام 1980 وحتى العام 1992.
إنّ مَنْ يحرص على عائدات البلديات وأموالها، لا يوعز لوزرائه بحجز أموال البلديات من عائدات الهاتف الخلوي ويحرم البلديات من تلك العائدات. وهذا ما فعله وزراء التيار المتعاقبون على وزارة الاتصالات.
أما بالنسبة لإنجاز الحسابات، ففي وزارة المالية مدير عام يعتبر من أقرب المقربين إلى تياره، فما الذي يمنعها من إنجاز تلك الحسابات.