#adsense

ثقافة الضعف!

حجم الخط

ما عاد أمر الشتم محيّراً ولا مدعاة لاستغراب، بقدر ما صار دلالة إلى أزمة تعسّ في مستويات عدّة نتيجة ثورة سوريا وتداعياتها من جهة، وسريان الهريان بسرعة في الجسم الانقلابي اللبناني من جهة ثانية.
ثقافة الشتم، كيان لغوي قائم بذاته. بُني منذ أيّام الوصاية الأمنية المباشرة، وتدعّم بعد غيابها القسري غداة تطوّرات ما بعد جريمة 14 شباط، ولا يزال قائماً، صلباً وصلداً وعالياً في أيامنا هذه. وعلى أساسه وحجارته تُبنى سياسة ممانعة على خلاف مع أخصامها وأعدائها.. وعلى خلاف كبير وصعب مع الأخلاق في جملتها.

أكثر من مرّة، وفي أكثر من محطة وردت الإشارة إلى منبت ذلك الأداء حيث هو وليد توجُّه يقدِّس العنف مبدئياً ولا يتورّع عن استخدامه لا بالمعنى الحرفي المباشر، ولا بالمعنى اللغوي والثقافي… عنف مقدَّس يترجم تارة نفياً للأخصام بالحديد والنار والبارود والاقتحام، وتارة باعتماده كمقصلة فكرية خطابية لا تتوانى لحظة عن وصم كل آخر بالخيانة والعمالة والارتباط والتآمر، وإنزال شفرتها البتّارة لقطع كل صلة ممكنة بالمنطق وآداب السلوك والعمل السياسي الوطني ومقوّمات وحدة حال مجتمعات متنوّعة ومتعدّدة الأهواء والديانات والثقافات والسياسات، لكنها تملك، أو تعتقد أنها تملك، هويّة جامعة واحدة في الجغرافيا والمصير واللغة والنسب والحسب!

"ثقافة" في أساسها وضعت العنف في مصاف اليقين. وأعلت شأنه فوق أي مُعطى ثقافي أو إيديولوجي أو فكري آخر، باعتباره يختصر كل ضنى وعذابات المراس التلاقحي والحواري والنقاشي والانفتاحي المركون في جملته تحت مُعطى أو شعار قبول الآخر، ثم الشروع في "درس" ذلك الآخر لتبيان ملامح ومواضع وعلامات التمايز والاختلاف وما شاكل ذلك من عدّة مطلوبة لتوثيق وتدعيم الثقة بالذات أولاً وأساساً!

.. لكن الغريب المستجد، هو أنّه صار في عادياتنا السياسية التطاول على الأخلاق ووضع الشتيمة في محل الرأي، والسفاهة في محل الحجّة وفصاحة البيان. وذلك النمط ما عاد يسري ويلصق بأهل الضحالة في الوزن والقيمة والتأثير والتفكير والفعل فحسب، بل تمدّد في اتجاه منظومات يفترض أن تكون واثقة بما يكفي، بمالها وبجيشها وسلاحها وصواريخها وبيانها ومقاومتها وممانعتها وأخيراً باستخباراتها! وبالتالي ليست في حاجة إلى رعونة في القول، ولا إسفاف في اللغة، ولا سلبطة في الصوت.

.. ذلك هو الافتراض المبدئي والأساسي، غير أنّ المكشوف القليل فضح المستور الكثير. وفي ذلك المستور أنّ التوتّر الأصيل المموّه عادة باستعارة النص الديني ولغته، جاء ليتمّم حسابات سياسية مأزومة من أوّلها إلى آخرها. من توقع المآل الأخير لسلطة الأسد وانحدارها الأكيد، إلى حسابات أهل الانقلاب، الخاصة والعامة، والتي تُفصح يوماً بعد يوم عن افتراقات لن يطول الوقت قبل أن تتمظهر.. إلى غير ذلك من علامات ضعف، تحاول الشتيمة وثقافة الشتيمة أن تقنعنا مجدداً، انها علامات قوّة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل