«اليونيفيل»… الفصل السابع أو الانسحاب

كُتب الكثير وحُكي أكثر في الآونة الأخيرة حول الاعتداءات المتكرّرة التي تتعرّض لها القوّات الدوليّة العاملة في "اليونيفيل" جنوبي لبنان.
بيدَ أنّ ثمّة أموراً وعناوين لم تنل نصيبها من الطرح والبحث.

العنوان الأوّل الذي يقتضي تسليطُ الضوء عليه هو واقع أنّ الدولة في لبنان، امتنعت تارةً ومُنعت تارة أخرى عن – ومِن – تنفيذ ما يتوجّب عليها بموجب القرار الدوليّ 1701. فهذا القرار ينصّ على أن تنشأ منطقة منزوعة السلاح جنوبَ الليطاني، منطقة لا سلاحَ فيها من أيّ نوع أو عيار إلّا بين أيدي قوات "اليونيفيل" والجيش اللبنانيّ. ومفهومٌ أنّ خلفيّة القرار مبنيّة على "فكرة" ما يُسمّى "وقف الأعمال العدائيّة" من أجل اضطلاع قوّات حفظ السلام بحماية لبنان إلى جانب الجيش.

والعنوانُ الثاني هوَ حقيقةُ أنّ "اليونيفيل" كيّفت نفسها وتعايشت خلال السنوات المنصرمة مع "معادلة" جرى اختراعها على "الطريقة اللبنانيّة" وتقوم على أنّ "اليونيفيل" بمساعدة الجيش لا تستطيع أن تفتّش عن السلاح ومخازنه ولا أن تداهم، لكنّها تستطيع فقط أن "تُغير"، على مكان عسكريّ إذا انكشف أمامها.. صدفة. لكن حتّى ذلك لم تتمكّن "اليونيفيل" منه، ولكَم منعَها "الأهالي" من التحرّك حتىّ فرض على القوّات الدوليّة ألّا ترى وألّا تسمع وألّا تسير!

أمّا العنوان الثالث فهو استنتاجٌ من العنوانين الآنفين. فبينَ عدم تنفيذ السلطة في لبنان لما هو متوجّب عليها بموجب القرار 1701 من جهة، وتعايش القوّات الدوليّة مع أمر واقع شاذ من جهة ثانية، لم يطبّق القرار الدوليّ فعليّاً ولم يصبح الجنوب تحت سيادة الدولة وثنائيّة الجيش – "اليونيفيل".. بل بقيَ الجنوب مكشوفاً أمام اعتداءات إسرائيليّة واحتمالات اعتداءات إسرائيليّة حيناً وأمام رسائل عبر صندوق بريد الجنوب تستخدمها إسرائيل أو يمكن أن تستخدمها ذرائع لاعتداءات حيناً آخر.

بينَ دولة لبنانيّة يعوزُها القرار السياسيّ ويُفرضُ عليها أمر واقع بل تواطؤ يحصل من جانب أجهزة معيّنة مع الأمر الواقع، وبينَ قوّات تابعة للأمم المتّحدة غير حاسمة بملاحقة السلطة بواجباتها

وبمتابعة شروط أدائها لمهامّها، يدفع الجنوب وأهلُه ثمن نوع من الفوضى، ويمكن أن يدفعوا الثمن كارثةً إذا تواصل التمادي في انعدام المسؤوليّة أو انعدام القدرة.

في ضوء ما تقدّم، لم يعد الاستنكار يُجدي. فالمسألةُ ليست مسألة إعلام أو رأي عام من أجل الالتفاف على مخاوفه. المسألة مسألةُ إجراءات.

إنّ أوّل "خيار" يتبادرُ إلى الذهن هوَ أن يضعَ مجلسُ الأمن الدوليّ المسؤول عن "اليونيفيل" الحكومة في لبنان أمام مسؤوليّاتها بموجب القرار 1701 وأن يضغط عليها لتنفيذ واجباتها.

وفي حقيقة الأمر أنّ تنفيذ لبنان لما يتوجّب عليه بموجب الـ 1701 يوجب عليه تطبيق القرار 1559. فبين القرارين ثمّة ترابطٌ، والخيط الرابط هو سيادة الدولة على أرضها. ومن أجل تنفيذ الـ 1701 يجب تنفيذ الـ 1559. وعلى أيّ حال فإنّ لبنان الملزم حكماً بتنفيذ قرارات الشرعيّة الدوليّة، وافقَ في محطّات لما سمّي "الحوار الوطنيّ" على تنفيذ بنود من الـ 1559 لا سيّما بند "السلاح الفلسطيني" قبلَ أن يحصل الانقسام السياسيّ حول "سلاح حزب الله"، أي أنّ طريقة تنفيذ القرار 1701 من الجانب اللبنانيّ للحدود فيها تحايلٌ على القرارين الدوليين المذكوريَن معاً، وتحايل على الرابط بينهما وعلى مستقبل سيادة الدولة وسلطتها.

أمّا الخيارُ الثاني فهو أن يخيّر مجلس الأمن لبنان وسلطته السياسية بينَ أن يتمّ نقلُ القرار 1701 إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة ما يُعدّل في أداء "اليونيفيل" وفي ما يُسمّى "قواعد الاشتباك"، وبينَ سحب قوّات الأمم المتّحدة من جنوب لبنان.

نقلُ الـ 1701 إلى الفصل السابع بدلاً من "الفصل ستّة ونصف" كما قيل في حينه في 2006، يكرّس أحاديّة السلاح وسيادة الدولة ويُسقط الذرائع ويحمي لبنان في وجه إسرائيل.

أمّا الانسحاب فهو ليس فقط يضع حدّاً لمسلسل الاعتداءات على "الطوارئ"، بل يضع حدّاً لابتزاز هذه "القوّات" ودولها "على الطالع والنازل"، ويُسقط من أيدي حملة السلاح وفرقائه جنوباً ورقة التأزيم مع المجتمع الدوليّ لحساب النظامين السوريّ والإيرانيّ. بل أكثر من ذلك، إنّ الانسحاب في هذه الحالة المحدّدة ينهي وهماً بأنّ الجنوب محميّ فعلاً… وهو ليس محميّاً في الحقيقة.

ليسَ في ما تقوله السطور السابقة "فشّة خلق"، إنّما محاولة لوقف الخداع.

اللبنانيّون ليسوا مضطّرين لـ"مسايرة" شواذ، وليسوا بحاجة إلى من يخبرهم صبح مساء أنّ أمن الجنوب وسلاحه نتاجٌ لـ "قوّة ردع" استثنائيّة، فيما سلام الجنوب – وسلام لبنان ككّل – تحت رحمة سلاح لأصحابه حساباتهم الخاصة، وفيما هذا السلام إمّا أن "يتفضل" به النظامان السوريّ والإيرانيّ وإمّا أن يفجّر لمصلحتهما… بوجود "يونيفيل" أو بعدم وجودها!

المجتع الدوليّ مسؤول أن يتحرّك!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل