من الغربال بالكاد ان تصل شمس رفع الارادة المسيحية في هذا الوطن بعد اتفاق الطائف الذي تمت حياكته دون ان ينتظم هذا الرداء على اي جسم وخصوصا المسيحي منه، فمنذ هذا الاتفاق والمسيحيون في صراع في المقام الاول فيما بينهم وفي محاولات لانتزاع بعض ما تم تشليحه للطوائف المسيحية في الادارات التنفيذية لهذا البلد واذ قيل ان المسلمين كانت لهم الحظوة في امتلاك العصا لادارة الوطن فهذا ليس بقدر محتم على عدم قياس نضالاتهم منذ الستينات للوصول الى ما آلت اليهم اوضاعهم. اما المسيحيون فليس لديهم مع احزابهم وتياراتهم الا افتعال النكاية ببعضهم البعض حتى ولو كان على حساب المجتمع المسيحي واهله وتقول اوساط مسيحية دينية ان ما حل بالمسيحيين في لبنان شكل التجربة الاولى للقيام باللطمة لمختلف المسيحيين في هذا المشرق خصوصا ان روافد النبع تنطلق من هذا الوطن الصغير الذي شكل مجموعة من المضطهدين حطت رحالها في ما اطلق عليه لبنان الكبير كان من المفترض ان لا يساهم مسلم في زيادة هذا الانحسار وثمة مفارقة تقول هذه الاوساط، ان ايا من القادة المسيحيين الذين يديرون هذه الساحة لم يتعلموا يوما من دروس الماضي بعد ان تركت الدول الكبرى والام الحنون لهذا المجتمع الصغير ان يقلع شوكه بايديه فيما تسلمت الدول الاسلامية الساحات فيها حتى بدا انها الفرصة الوحيدة لوضع اليد على البلد بكافة مفاصله. ولم يكن العدد يوماً حافزاً لهذا التوجه بمقدار ما هي المناصفة التي تشكل قهقهة قوية في اروقة هذا الوطن ولم يمارس المسيحيون في عز سطوتهم على مفاصل البلد اية تجاوزات تخفي في طياتها حجب الشريك الاخر وحزفه من المعادلة. اذا كان المسلمون لا يتحملون وزر ما جرى منذ التسعينات فان الطوائف المسيحية ما برحت في العمل على التنكيل في خواصر بعضها البعض، واذ تلفت هذه الاوساط في الاوقات الحالية الى حاجة المسيحي كمسعف وحكم بين الطوائف الاسلامية في صراعها المستجد بين اهل السنة والشيعة، فان هذه الحاجة تحولت الى حالة من الاستزلام وتلطي كل فريق وراء احدى الطوائف الكبرى ومع الايام كبر الاستزلام ليتحول الى ارتهان كلي وفق الصورة التالية:
1- دخل عون بعد عودته من المنفى ومن خلال وثيقة تفاهم مع حزب الله ليتحول مع الوقت الى حليف في السراء والضراء ولكن الى حين معين وفقا للحالة المعيوشة الان بحيث تضاربت الاولويات لدى الحزب بفعل التحولات الكبرى التي تحكمه النقزة منها وبات غير مبال في الملفات الداخلية خسر عون ام ربح ذلك فالاولوية لديه تتمثل بعدم ازعاج الطائفة السنية على خلفيات متعددة ويبدو حسب هذه الاوساط ان الحزب ومعه حركة امل مستعدان للذهاب مسافات اوسع مع ممثل السنة في السلطة الرئيس نجيب ميقاتي دون السؤال عن اوجاع عون او مطالبه المحقة فعمدت الى تسجيل هدفين متتاليين في مرمى عون بدل التهديف الى المرمى الاخر، وتقول هذه الاوساط انه كان على عون ان يعلم منذ البداية ان حزب الله تيار تحاربه كافة الدول الغربية والعربية في محاولة لنيل رأسه وهذا ما حصل بالفعل اذ ان الحزب تناسى تماما كمرحلة اتفاقه مع الرئيس الراحل رفيق الحريري ان له حلفاء من طوائف وان كانت هامشية والتاريخ الحديث يبين كيف كان المسيحيون في الادارات العامة متروكين ولا احد يسأل عنهم، وهكذا فعل الحزب مع مجيء ميقاتي فاصبح يشكل اولوية ممنوع ايقاظها الا وفق ما تحلو له الاوقات وممنوع حشره في الزاوية مهما كانت الصعوبات واكبر رسالة كان على عون ان يتلقفها هي مسألة تمويل المحكمة الدولية ومنها ازداد المشوار الصعب المليء بالاشواك المزروعة للتيار على طريق الضاحية وبدأت سلطة وزرائه تتآكل وتم اسقاط مشاريع انمائية وحيوية يعول عليها التيار بامتياز حتى ان احد الوزراء من تكتل التغيير والاصلاح تم منعه من استعمال الهاتف داخل جلسة كان يترأسها ميقاتي، والسؤال الحالي: كيف سيحقق العماد ميشال عون طموحاته مع هذا الكم الهائل من الوزراء والذي يحصل للمرة الاولى في تاريخ لبنان بان يمتلك زعيم مسيحي عشرة وزراء داخل السلطة التنفيذية ولكنهم حسب واقع الحال يمكن اختصارهم بوزيرين حسب الفائدة المرتجى منها على خلفية التحرش بوزير الطاقة واسقاط ما سهر له وزير العمل واعطاه من وقته وصحته فالكثرة في عدد الوزراء لم تسمح لعون للاقلاع بعودة المسيحيين الى الدوائر الا الذين يدورون في فلك غيره. ولكن اين هي غيرة الحزب على التيارالذي وضع رصيده الاستراتيجي في جيب الحزب والذي له دين في ذمة حزب الله الى يوم الدين،وتقول هذه الاوساط ان العواصف الاقليمية الاتية والتي تحدث الان لا مكان فيها للتفاهمات المحلية مهما كانت صلبة خصوصا ان الخطر على الابواب لا احد بامكانه معرفة استراتيجية الحزب بعدما حصل في سوريا على وجه الخصوص فالعماد عون اعطى كل ما يملكه للحزب في الحرب والسلم وبات المسيحيون قابعين امام شاشة المنار وكأن الخبر اليقين يصدرعنها حتى انهم اندمجوا في المجتمعات المختلفة في سابقة هي الاولى من نوعها في تاريخ لبنان من اشكال الاندماج والتحالف، ولكن هذه الاوساط لا تخفي ان الجنرال طفح الكيل عنده، وبات قلبه «يطق» من كثرة الثغرات وعلى ايدي حلفائه على وجه الخصوص، وهو الذي كان ينتظر هذه الايام الذهبية لتحقيق طموحاته ولكن حسابات الحقل والبيدر متناقضة بالتمام بحيث عندما حان موسم القطاف جاء صاحب الحقل الاساسي وقام بتسييج البيدر ضمن دائرة مقفلة ويمكن ان تكون الحالة ليس كرها بعون انما واقع الحالة الاسلامية يفترض هذا النموج من العمل.
2- استظلت القوات اللبنانية التي خرج قائدها من السجن بعد عشرة اعوام عاشها تحت الارض بالطائفة السنية واعتمدها سندا حقيقيا في تحقيق استراتيجية وقطف ما امكن من ثمار الادارة في الدولة ولكن الدكتور سمير جعجع الذي دخل السجن بعد نفي عون ليتشابه مع الواقع الحالي ضمن ادارات الدولة فلم يستطع في عز نشوة من قطف ما يحلو له من المراكز داخل الدولة، واذا لم تنفِ هذه الأوساط الديون التي استحقت لجعجع في حق الطائفة السنية فانه لم ينل في المقابل ما يمكن تسميته غنائم مهداة اليه بالرغم من انه وضع سلته كاملة في بحر اهل السنّة وبات العلم القواتي يرفرف فوق أعالي الضنية وعكار وداخل مدينة صيدا ولكن لم يتم صرف هذا الاشهار للعلم القواتي في أي سوق داخل أروقة الدولة فلا القواتيون تسلموا المراكز في الفئة الأولى ولا تمت عملية توظيف للكادرات في الحزب والتي تحمل شهادات عليا وكلما اشتدّ الخلاف بين المسيحيين على مركز معين يذهب بشكل تلقائي الى الطائفة الاسلامية، هذه الواقعة حدثت في أكثر من مركز هام في الدولة بالرغم من استعداد ما كان قد حصل بالنزول الى الشارع من أجل دعم الحليف السني، ولكن يبدو فعل «الحاجة» الى القواتيين والعونيين كفعل مشارك وليس فاعل في الدولة اللبنانية والمسؤولية تضعها هذه الأوساط على المسيحيين أنفسهم الذين يذهبون فرادة وبشكل عدائي تجاه بعضهم الى مفاصل الدولة، فهل يرفع جعجع الصوت عالياً ان كان الآن وعندما فات الأوان من أجل تثبيت الواقع المسيحي داخل الادارات في الدولة؟ ثمة من يؤكد ان الوقت قد فات ان كان بالنسبة لعون او لجعجع في تحقيق آمالهم وان كافة الرهانات السابقة واللاحقة لن تلحقهم بركب الدخول الى مباهج ومغانم الدولة وسوف يبقيان على وضعيتهما الحالية ان لم تكن على تراجع!
ما هو الحل؟
برأي هذه الأوساط ان السبيل الأسهل والأقرب هو في التخلي عن التشنج المسيحي – المسيحي وعدم وضع الحجارة في دروب بعضهما البعض والتوجه الى المراكز الأصيلة والثابتة والدائمة ان كان في بكركي أو القصر الجمهوري من اجل مطالبة جماعية وبصوت واحد وبشكل رسمي بتغطية واسعة من أعلى سلطة في الدولة بدل التلهّي في المناكفات التي توضح مصير المسيحيين بمشهد أوضح.