#adsense

النسبية أم الشرق الآخر؟

حجم الخط

 دأب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي منذ انعقاد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك قبل أسابيع في بكركي على اطلاق مواقف اكتسبت أهمية عالية حيال القضايا الكبرى المصيرية التي يواجهها لبنان داخليّاً وخارجيّاً. وشكّلت هذه المواقف بذاتها ما يصحّ ان يَطرح على أهل البيت الماروني والمسيحي عموماً مادة ملحّة ذات أولوية في أي اجتماع موسع كمثل ذلك الذي تستضيفه بكركي اليوم، خصوصاً لجهة الخروج بتصور ماروني جامع في حدوده الدنيا حيال الواقع المسيحي في زمن الثورات العربية من جهة والاحتدام المثير للمخاوف داخلياً من جهة أخرى.

بصراحة ومن دون مواربة، ينتظر المسيحيون "قمّة" مارونية بالمعنى المصيري على هذا المستوى، وليس أقل. وعلى أهمية قانون الانتخاب الذي يشكّل محور اجتماع بكركي، ومن دون التنكر للجهد الذي يضطلع به البطريرك لجمع القادة والسياسيين الموارنة حول تصور انتخابي موحد، لا يمكن التنكر أيضاً لمفارقة غريبة يتقدّم فيها الفرع على الأصل، فترانا أمام مسيحيين عاجزين عن الحوار حول أخطار داهمة وهاربين الى ترف البحث الانتخابي. هي مسؤولية القادة الموارنة بطبيعة الحال التي تجعل ذروة الطموحات أن يلتئم شملهم وراء مجرّد صورة جامعة في بكركي، مع الشكوك الكبيرة في توصلهم حتى الى مشروع موحد حول قانون الانتخاب. ولكن مآل التطورات الداخلية والعربية والاقليمية بلغ من الخطورة مرتبة متقدمة وموغلة في الصعود الى حدّ بات يحتم جراحة قيصرية بكل المعايير تخرج الواقع المسيحي من تعفّن سياسي مزمن ينذر بأخطار أفدح مما يواجهه من جراء التحديات الوافدة من داخل الحدود وخارجها. ولو لم تكن بكركي مدركة هذا البعد الجاثم على الواقع الماروني خصوصاً والمسيحي عموماً، لما اكتسبت محاولاتها الأهمية الكبرى التي يعلّقها عليها كل مدرك لدورها الساحق تاريخياً في كل الحقبات المصيرية.

ولا ندري أي قانون انتخابي، وأي نسبية واي توافق سياسي مرجو على تمثيل مسيحي سوي، ستشكل مجتمعة ضماناً لنظام يتهاوى تحت وطأة الاستباحات الأمنية والأخطار المتدحرجة في لحظة متسارعة وظروف تفوق التصور، أو ضماناً لمسيحيين يطلون على شرق عربي واقليمي مختلف اختلافاً جذريّاً عن صورته السابقة؟

مسيحيون في شرق متغيّر يقف عند حدود التمزق المخيف بين آمال الديموقراطية التعددية ومحاذير الأصوليات والتطرف الاسلامي، هو ما يجب أن يشكّل أولوية لا تعلوها أولوية أخرى. وهذا ما ينتظره مسيحيو لبنان ومسلموه أيضاً من بكركي وضيوفها إن كان بعدُ لصدمة مسيحية أن تبدّل شيئاً في واقع يتدحرج نحو سحق الهاربين والعاجزين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل