كتب خليل فليحان في "النهار": اتفقت بيروت وباريس على أن تكون زيارة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي الرسمية لفرنسا في الأسبوع الأخير من كانون الثاني المقبل، وسيصار إلى تركيز الموعد النهائي خلال الشهر الحالي.
صحيح أنها لم توجه الدعوة إليه قبل تحويل المبلغ المطلوب من حصة لبنان في موازنة المحكمة الخاصة بلبنان، أي 49 في المئة من مجموعها، لكنها ستكون زيارة "ودّ وصداقة وتقدير لميقاتي الذي وفى بما كان قد وعد به ليس فقط فرنسا بل المجتمع الدولي"، وفق تعبير مسؤول فرنسي باشر تحضير الزيارة، ودعا إلى عدم استغراب هذا الخفض الذي سبق ان حصل مثيل له خلال ولاية القوة الدولية قبل حرب تموز 2006، اذ جرى خفض الكتيبة الفرنسية من 1500 عنصر الى 600 فقط.
وعلمت "النهار" من مصدر ديبلوماسي موثوق به ان الاعتداء الذي استهدف خمسة جنود فرنسيين يعملون في عداد "اليونيفيل" في منطقة البرج الشمالي في التاسع من الشهر الجاري اثار "سخطاً فرنسياً عجّل في اتخاذ قرار خفض أفراد الكتيبة الفرنسية من 1300 ضابط وجندي الى اقل من 1000، وأكثر من 900 عنصر، لكنه لن يؤثر على مستوى الترحيب الذي سيلقاه رئيس الحكومة خلال الزيارة التي ستحفل باللقاءات مع المسؤولين وفي طليعتهم الرئيس نيكولا ساركوزي ونظيره فرنسوا فيون، وستشمل المحادثات جميع المجالات من سياسية واقتصادية وعمل قوة "اليونيفيل" وما تتعرض له من مضايقات في عدد من القرى واحتجاجات على النمط الذي كانت تتبعه في الدوريات التي كانت تنظمها، وصولا الى اعتداءين داميين حتى الآن، الأول في 26 تموز الماضي على مدخل صيدا الجنوبي والثاني في منطقة صور. وسيسمع ميقاتي ان خفض العديد لا يعني تلكؤا في اداء القوة المتبقية، وان الخفض يندرج في اطار خفض يشمل جميع القوات الفرنسية، سواء في افغانستان او في شاطئ العاج، وبالطبع في لبنان.
وأكد ان الجيش الفرنسي ابلغ ايضا انه على استعداد لتقديم تدريبات خاصة بالجيش اللبناني ومدّه ببعض الآليات مجانا، يتفق عليها بين قيادتي الجيشين.
وأفاد أن موفد وزارة الخارجية الفرنسية مدير المنظمات الدولية في الوزارة والمسؤول عن القوة الفرنسية في قوة حفظ السلام خارج فرنسا نيكولا دو ريفيير، سيبلغ المسؤولين الرسميين الذين سيلتقيهم في 19 من الشهر الجاري و20 منه بدوافع الخفض العسكري الفرنسي في الخارج، والذي يختلف باختلاف الدولة التي يخدمون فيها، منها ما هو داخلي متعلق بالسياسة الداخلية ومنها ما سببه تقليص المصاريف المالية، ومنها ميداني، أي أن لا حاجة الى بقاء هذا العدد من العسكريين حيث هم.
كذلك، ذكرت صحيفة "الأخبار" أن الرئيس ميقاتي سيلبي في الأسبوعين الأولين من كانون الثاني المقبل، دعوة رسمية لزيارة فرنسا يلتقي خلالها المسؤولين الفرنسيين، وفي مقدمهم الرئيس نيكولا ساركوزي في الإليزيه.
وذلك أول تحرّك خارجي منذ توقيعه تسديد لبنان حصته في موازنة المحكمة الدولية، يفتتح ميقاتي مرحلة جديدة لحكومته بعدما واجهت صعوبات في الانفتاح على المجتمع الدولي، تحت وطأة تجاذب داخلي حيال المحكمة لم ينته بعد. ويعكس تلقيه في 5 كانون الأول دعوة لزيارة فرنسا، أول مؤشر إيجابي إلى صدقية علاقته بالمجتمع الدولي بعدما أصرّ على إبفاء لبنان بالتزاماته الدولية.
ويحمل ميقاتي معه ملفات من شقين:
أولهما، اقتصادي ـ إداري ـ مالي يرمي إلى تحريك المشاريع المجمّدة للمؤسسات اللبنانية بتمويل خارجي، والحصول على قروض ومساعدات. وكان اجتماعه بمسؤولين في البنك الدولي نهاية الأسبوع الماضي تناول هذا الجانب. وكذلك الاجتماع الذي عقده قبل يومين مع ممثلي منظمات الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وهو الاجتماع الثاني في هذا السياق، بغية مراجعة الاتفاقات والسياسات التي أبرمها لبنان مع المنظمة الدولية لمكافحة الفساد.
ثانيهما، تشديده على دعم الجيش اللبناني والأسلاك العسكرية، انطلاقاً من تأييده ما صارحه به مراراً زوّار دوليون أو سفراء دول كبرى، بضرورة تحمّل الجيش في الجنوب مزيداً من المسؤوليات والأعباء. وإذ يدرك ــــ وهو ما أخطره لزوّاره هؤلاء ـ أن دور القوة الدولية في الجنوب، المكلفة تنفيذ القرار 1701 مساعدة الجيش اللبناني، إلا أن الصحيح أيضاً أن اضطلاع الجيش بدوره كاملاً يتطلّب تعزيز قدراته وتوفير كل الوسائل التي تمكّنه من تحمّل مسؤولياته كاملة. أدلى ميقاتي بهذا الموقف في المحادثات التي أجراها في نيويورك في أيلول، وفي لندن في تشرين الثاني.
وعلى معرفته بحجم التناقضات التي تعصف أحياناً بحكومته، تارة بينه وبين وزراء الغالبية، وطوراً بين أفرقاء الغالبية أنفسهم من خلال تباعد آراء بعضهم عن بعض، ومرة ثالثة بتناقض المواقف بين قوى في الغالبية ورئيس الجمهورية ميشال سليمان، يقارب ميقاتي الأزمات التي تواجهها حكومته كجزء من اضطراب عام في لبنان، يتأثر بالعواصف التي تضرب المنطقة. ويرى الوقت المناسب كفيلاً بحلّ العقد واحدة تلو أخرى. كما يسعى إلى تقليل تداعيات ما يحدث في الخارج على ما يتعذّر التفاهم عليه في الداخل في بعض الأحيان. وهكذا، بعد تجاوز أزمة تمويل المحكمة الدولية، يخطو على أبواب الانفتاح على الخارج تبعاً لأولويات يُدرجها رئيس الحكومة في ملفات ثلاثة: الاستقرار، الإدارة والتعيينات، السياسة الاقتصادية.