تأسيساً على ما نشرته «الجمهورية» عن مبادرة – وساطة يتولّاها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بين رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والنائب ميشال عون تحت عنوان «إيجاد حلّ للتعيينات المسيحيّة»، سلّطت أوساط قيادية مسيحيّة في قوى 14 آذار الضوء على محوريّة الملفّ الإداري في البنيان الدولتي.
اعتبرت الأوساط القيادية أنّ مسألة الإدارة في لبنان ليست مسألة تفصيليّة لارتباطها العضوي بالبعدين الطائفي والسياسي، فضلاً عن أنّ ضعف الدولة الناتج عن تفكّكها بفعل الحرب من جهة، والوصاية السورية من أخرى، وعجزها من جهة ثالثة عن حصر السلاح بيدها وبسط سيطرتها على كامل التراب اللبناني، يجعل ولاء الموظّفين، بشكل أو بآخر، لمرجعيّاتهم الحزبيّة، ما يساهم بمزيد من اهتراء الدولة وتآكلها، ويعزّز مشروع قوى الأمر الواقع الهادف إلى إبقاء هذه الدولة مشلولة ومعطلة لإدامة سيطرتهم عليها.
وقالت الأوساط إنّ أيّ تهاون أو "استلشاء" في هذه القضيّة هو جريمة بحقّ الدولة وانتهاك لسيادتها، لأنّ السيادة لا تختصر فقط بالجغرافيا، إنّما تنسحب أيضا على العقل السياسي الذي يدير شؤون هذا البلد وشجونه، ومدى التزامه بالأولويّات اللبنانية والأجندة الوطنية على حساب كلّ الأجندات الأخرى، وبالتالي الذهنية التي تتحكّم بإدارة الدولة ومقدّراتها هي أكثر خطورة على مستقبله، خصوصا في حال ارتهانها للخارج، من أيّ انتهاك للسيادة الوطنيّة، ومن هنا، إنّ المعركة الإدارية هي معركة سيادية بامتياز.
ورفضت الأوساط تشبيه هذه المرحلة بحقبة الوصاية السوريّة، لأنّ اللبنانيين كانوا في وضعية المغلوب على أمرهم، والقرار السياسي اللبناني مخطوف بالكامل، وبالتالي ما كان يصحّ حينذاك لا ينطبق على الواقع اليوم، حيث إنّ القوى السيادية تشكّل معظم الشعب اللبناني، وتمكّنت بالفوز في استحقاقين انتخابيّين، وخروجها من السلطة كان نتيجة واقع انقلابيّ لا عمليّة ديموقراطية، كما أنّ طبيعة المرحلة الحاليّة هي مرحلة انتقاليّة، ولا يجوز السماح باستغلالها من أجل وضع اليد على الدولة، خصوصا أنّ لبنان دخل في الشوط الأخير من السباق باتّجاه إعادة تأكيد دوره وحضوره وفاعليّة دولته.
ولفتت الأوساط إلى أنّ قوى 8 آذار مأزومة، وأزمتها ناتجة من شعورها في تسارع التطوّرات على خطّ الأزمة السوريّة وارتفاع منسوب الضغوط العربية والدولية، وهذا ما يجعلها في سباق مع الوقت من أجل الإمساك بكلّ المفاصل السياسيّة والأمنيّة والعسكرية للدولة اللبنانية، في محاولة لتعويض انهيار النظام السوري بالسيطرة الكاملة على لبنان من داخل المؤسّسات وخارجها، وخوفاً من تؤدّي التحوّلات الجارية إلى انهيار مشروعها وانكفائها إلى داخل مربّعاتها الطائفية.
وفي هذا السياق ثمّة تكامل بين "حزب الله" والنائب ميشال عون، إذ في حين أنّ الأوّل بحاجة لإبقاء الدولة تحت سيطرته خدمة للأغراض الإقليميّة المعلومة، فإنّ الثاني بحاجة لعضلات الحزب من أجل التعويض إداريّا ما خسره ويخسره شعبيّا، خصوصا أنّ الحزب يدرك جيّدا أنّه في حال عدم قدرته على مدّ عون سلطويّا، فإنّ الأخير سيعيد تموضعه السياسيّ، لأنّ تمسّكه بهذا التحالف سيقوده إلى الانتحار السياسيّ في ظلّ التطوّرات التي ستقود إلى انهيار المحور الممانع.
وحذّرت الأوساط من خطورة التعيينات بشكل عام، وعلى المستوى المسيحيّ بشكل خاص، لأنّه إذا كانت هذه التعيينات محسومة بشكل أو بآخر داخل الطوائف الأخرى في ظلّ التسليم بالثنائية الحزبيّة الشيعية، والتسليم بالنفوذ الاشتراكي، وحرص رئيس الحكومة على عدم استفزاز المستقبل، فإنّ التعيينات داخل البيئة المسيحيّة ستكون بمثابة "حرب إلغاء" إداريّة لكلّ المكوّنات المسيحيّة المستقلّة ولمسيحيّي 14 آذار الذين يشكّلون الشريحة الأكبر داخل الوسط المسيحي، عِلما أنّ إتمام التعيينات في ظروف مختلفة يفسح في المجال أمام انخراط كفاءات شيعيّة مستقلة إلى الجسم الإداري للدولة اللبنانيّة، الأمر غير المتاح حاليّا.
واستغربت الأوساط المعلومات التي تحدثت عن دخول بكركي على خطّ إنضاج تسوية سياسيّة بين سليمان وعون، لأنّ مهمّة بكركي إنضاج تسوية بين كلّ المكوّنات المسيحيّة، وليس مع طرف على حساب آخر، خصوصاً أنّ التعيينات لا تعني المشاركين في السلطة وحدهم، إنّما كلّ المسيحيّين. ومسيحيّو 14 آذار والمسيحيّون المستقلّون يشكّلون أكثر من نصف المجلس النيابي، ويمثّلون أكثر من نصف المسيحيّين، كما أنّ هذه الخطوة ستفقد بكركي الصورة التي حاولت نسجها لنفسها بأنّها الصرح الجامع للمسيحيّين على تناقضاتهم.
وإذا كان من أهداف هذا المسعى إزالة لغم أساسيّ من أمام الحكومة الميقاتية عبر تقطيع ملفّ التعيينات والإفساح في المجال أمام رئيس الحكومة ليبرّر أمام بيئته الأسباب الموجبة التي دفعته إلى إعطاء عون هذه الحصّة أو تلك بأنّها نتيجة توافق مسيحي – مسيحي برعاية بكركي، خشية من ردّة فعل هذه البيئة عليه، فإنّ كلّ ما تريده 8 آذار من ميقاتي هو تمرير التعيينات لتضع يدها على الدولة ومن ثمّ إسقاطه بالضربة القاضية قبل استحقاق تجديد البروتوكول، ولكن لا يبدو أنّ رئيس الحكومة، كما رئيس الجمهورية، في وارد التساهل أو تمرير أيّ تعيينات خلافاً للدستور. 
