ليست المرة الاولى التي تبدّل فيها روسيا موقفها، ذلك أنّ الدول الكبرى تبني مواقفها انطلاقاً من مصالحها على قاعدة القول الانكليزي الشهير: »لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة إنما مصالح دائمة«.
وفي عودة الى التاريخ القريب، يتّضح أنّ الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كان قد أنجز صفقات أسلحة بسبعة مليارات دولار مع روسيا دلالة على عمق العلاقات بين الطرفين، وفجأة دخلت الجيوش الاميركية والحليفة الاراضي العراقية، واحتلتها كلياً، طبعاً بما فيها العاصمة بغداد من دون أن تحرّك موسكو ساكناً.
وبالأمس القريب كان معمّر القذافي معتداً بالسلاح الروسي، ومعتمداً على دعم موسكو، وحصل ما حصل له مما هو معروف، وبقرار من مجلس الأمن الدولي الذي تملك موسكو فيه حق النقض »الڤيتو«، وأصبح القذافي في خبر كان.
وعلى الرغم من الدعم المعلن عنه من روسيا لسوريا على امتداد الأشهر العشرة الأخيرة، يومياً وبلا انقطاع، أي منذ اندلاع الثورة في سوريا، تقدّم الجانب الروسي بمشروعه الذي يركز خصوصاً على تحميل النظام السوري مسؤولية الإفراط في العنف، ما يشكل في الواقع والضرورة بداية موقف روسي أخذت ملامحه تظهر بوضوح، يتعارض وطموحات النظام السوري، وإن كان يلتقي مع طموحات الشعب.
ولعل الاستنتاج الذي يمكن التوصّل إليه أنّ التشدّد الروسي الذي استمعنا إليه طويلاً كان نوعاً من المساومة على مطالب روسية، قد تبدأ بالدرع الصاروخية التي نصبتها واشنطن في بولونيا على الحدود الروسية لتصل هذه المطالب الى اتفاقية التجارة العالمية، وبالفعل ما إن بدأ التغيير في الموقف الروسي حتى وافقت واشنطن، من حيث المبدأ، على انضمام روسيا الى هذه المعاهدة الدولية، بعدما حرمتها هذا الحق على امتداد ثماني عشرة سنة.
من هنا يمكن استقراء تأخر توجّه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الى موسكو، التي ربما لن يزورها، على الرغم مما ذكر منذ ثلاثة أيام عن بدء محادثاته هناك.
وأفادت تقارير دقيقة وواسعة الاطلاع أنّ الجانب الروسي كان ولا يزال يشترط على النظام السوري الموافقة سلفاً على بروتوكول المراقبين، مع استعداد موسكو لإيفاد مجموعة من الخبراء للمشاركة في المراقبة.
وأبلغ الشرع سلفاً الآتي: إذا كنتم آتين إلينا بالموافقة على البروتوكول فأهلاً وسهلاً، أما إذا كنتم حاملين التنظير والإدعاءات فلا مجال.
باختصار، يمكن القول إنّ الدول الكبرى تبني مواقفها تبعاً لمصالحها، وهذا ما لا يدركه الصغار إلاّ متأخرين.