لم تكن خطوة مجلس جمعية المصارف تسديد حصة لبنان من المحكمة مفاجئة، (أشارت "النهار" اليها في عددها الصادر في الخامس من الشهر الجاري) باعتبار أنها كانت الخطوة التنفيذية لقرار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي التمويل. وكانت ثمرة المخرج الذي جرت صياغته بدقة وتأن بين ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي تولى الهندسة مع المصارف.
لكن أهمية الخطوة تكمن في توقيتها لما حمله من مدلولات سياسية في أكثر من اتجاه:
– بيان الجمعية حصر الهدف بـ" حماية المودعين وتمتين الاستقرار السياسي"، مما عكس قلق القطاع من التهديدات الاميركية المتنامية (وان تكن المواقف العلنية تشير الى خلاف ذلك) من عقوبات محتملة قد تطول مصارف (محددة) ان لم يتم التمويل وذلك على خلفية التحقيقات التي تجريها الاجهزة الاميركية المعنية بمكافحة تمويل الارهاب وقد بلغت مراحل متقدمة منذ قضية البنك اللبناني الكندي (والتي وصلت أمس الى رفع دعوى في حقه وفي حق شركات مالية مرتبطة به). ومن المفيد التذكير بتصريحات مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فلتمان الذي ربط بين التمويل والعقوبات، وأعقبتها محادثات مساعد وزير الخزانة الاميركية لشؤون تمويل الارهاب دانيال غلايتزر مع السلطات اللبنانية، لم تنحصر فقط بالتحذير من مخاطر أي تفلت سوري من العقوبات الدولية من البوابة اللبنانية. والمعلوم ان ادارة غلايتزر تشكل الذراع التنفيذية للقرار السياسي الاميركي.
وهكذا جاءت خطوة المصارف لحماية القطاع، وخصوصاً أن الضغط الاميركي الى تزايد ولا سيما في ما يتعلق بتمويل "حزب الله" واستهداف المؤسسات والافراد المسهلة له، ولم تأت تحت وطأة تهديد رئيس الحكومة بالاستقالة ان لم يتم التمويل.
والاعلان عن الخطوة بالامس أتاح بلورة السيناريو الذي تم اعتماده بحيث جاء تأخر المصارف في عقد جلسة لمجلس ادارة الجمعية واتخاذ القرار ( وان لأسباب تقنية)، ليفسح المجال أمام ميقاتي ليحصد وحده نتائج "الانجاز" ويضعه في رصيده السياسي المحلي والدولي. فجاء التصفيق حاراً للرجل الذي هدد بترك السلطة اذا لم يتم التمويل، فيما كان "أرنب" التمويل جاهزاً في جيب رئيس المجلس الذي "هندس" الاخراج بما يجنب مجلسي الوزراء والنواب كأس التمويل المرة.
وفكرة اللجوء الى المصارف ليست جديدة، فهي الممول الرئيسي للاقتصاد ولدين الدولة، وهي التي تتقاسم مع السلطة السياسية والنقدية مسؤولية حماية الاستقرار المالي.
وقد استعاد ميقاتي بلجوئه الى المصارف تجربة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري عندما أقنع المصارف بالاكتتاب بسندات بقيمة 4 مليارات دولار أميركي بفائدة صفر عشية مؤتمر باريس 2، وكان لتلك الخطوة أثرها الايجابي في خفض الدين.
– في المدلولات أيضا، اشارة الى أن قرار جمعية المصارف يلزم المصارف الاعضاء في المجلس ولا يلزم القطاع بكامله. وبحسب المعلومات، فان المصارف الـ12 الاعضاء توافقت على توزع قيمة التمويل في ما بينها، على أن تحتسب حصة كل مصرف نسبة الى حجم ميزانيته.
– ان المصارف أكدت بخطوتها هذه التزامها تطبيق القرارات الدولية بقطع النظر عن موقف الحكومة منها. وهذه الرسالة كانت ابلغتها الجمعية الى غلايتزر خلال زيارته الاخيرة لبيروت، وذلك في اشارة واضحة الى التزامها في الوقت عينه تطبيق أي عقوبات تفرض على سوريا، أياً يكن الموقف اللبناني منها.
جاءت الخطوة لتغطي الدين المتوجب على الهيئة العليا للاغاثة لدى المصرف المركزي والذي لا يمكن الاستمرار فيه لمدة طويلة، وخصوصا أن حاكم المصرف المركزي خاض رهانا (وان يكن واثقاً من نتيجته) بقبوله اقراض الهيئة العليا من دون وجود مؤونات كافية في حسابها.
– لكن المدلول الاساسي والذي يشكل تحدياً فعليا أمام الحكومة يتمثل بالاخراج المتوقع أو ما سماه الرئيس بري "طربوش" القطبة المخفية للتمويل المتمثل بآلية قبول الهبة، ذلك أن الامر يتطلب موافقة مجلس الوزراء، مما يعني أن الامر سيطرح على جدول اعمال المجلس.
الحريري وضغط التمويل
وتفيد المعلومات أن الرئيس سعد الحريري كان مارس عبر حركة داخلية وخارجية كثيفة ضغطاً في اتجاه التمويل وربطه بين التزامات لبنان الدولية وأي عقوبات محتملة عليه.
واذا كان ميقاتي نجح في كسب معركة التمويل ليضعها في رصيده السياسي المحلي والدولي، فان مكسب الحريري يبدو مزدوجاً، لكونه نجح أولاً في الزام الحكومة التمويل، وان عبر رئيسها، ونجح كذلك في حشر "حزب الله" الرافض للمحكمة أساساً وتمويلاً للتنازل والقبول، وان عبر "غض الطرف". فغض الطرف لا يعني الرفض وكذلك قبول الهبة.