#adsense

الإثنين بعد أحد النّسبة

حجم الخط

الإثنين بعد أحد النّسبة

 

قراءَةٌ منَ القدَّيسِ أُغوسطينوس (+430) مُشتَهَى الأُمَم

"ذابتْ نفسي شوقًا إِلى خلاصِكَ" (مزمور 118/81)، يعني في ٱنتظارهِ. ما أَسعدَ الضُّعفَ حيثُ يظهرُ الشَّوقُ إِلى الخيرِ الَذي لم يحصُلْ بعدُ، ولٰكنَّهُ مشتهىً بشغَف! منْ تعني هٰذهِ الكلمات، منذُ إِنشاءِ البشريَّة إِلى آخرِ الأَزمنة، غيرَ الذُّرِّيَّةِ المختَارة،
والكهنوتِ المُلوكيّ، والشَّعبِ المُقتَنى، بل كلِّ إِنسانٍ على الأَرضِ عاشَ أَو يعيشُ في شوقٍ إِلى المسيح؟

والشَّاهد على هٰذا انتظارِ هو سمعانُ الشَّيخُ القدِّيسُ الَّذي صرخَ عندما قبلَ المسيحَ بينَ ذراعيِهِ: "أَلآنَ تُطلقُ عبدَكَ أَيُّها الرَّبُّ على حسبِ قولِكَ بسلام، فإِنَّ عينيَّ قد أَبصرتَا خلاصَكَ! لأَنَّهُ كانَ قد أُوحيَ إِليهِ بٱلرُّوحِ القدسِ أَنَّهُ لا يرى الموتَ حتَّى يعاينَ مسيحَ الرَّبّ".

إِنَّ شوقَ هٰذا الشَّيخِ هو، بحسبِ إِيمانِنا، شوقُ جميعِ القدِّيسينَ في العصورِ الغابرَة. كما كانَ الرَّبُّ ذاتُهُ يقولُ لتلاميذِهِ: "إِنَّ كثيرينَ من الأَنبياءِ والصِّدِّيقينَ ٱشتهوا أَنْ يروا ما أَنتمُ راؤُونَ ولم يرَوا، وأَن يسمعُوا ما أَنتم سامعونَ ولم يسمُعوا". يجبُ عليهِم هُم أَيضًا أَن يُحصَوا بينَ الَّذينَ يُرتِّلون: "ذابتْ نفسي شوقًا إِلى خلاصِكَ". إِنَّ شوقَ القدِّيسينَ لم يَخمُدْ قطُّ، ومنَ الآنَ وصاعدًا لن يَخمُدَ في جسدِ المسيحِ الَّذي هو كنيستُهُ، حتَّى ٱنقضاءِ الدُّهورِ وإِلى أَن يأْتيَ مشتهىَ كلِّ الأُمم، الموعودُ بهِ في النَّبيّ. وكذٰلكَ بولسُ يستطيعُ أَن يصرُخَ: "وإِنَّما يبقى إِكليلُ البِرِّ المحفوظُ لي، الَّذي يجزيني بهِ في ذٰلكَ اليومِ الرَّبُّ الدَّيَّانُ العادلُ لا إِيَّايَ فقط بل جميعَ الَّذينَ يُحبُّونَ تجلِّيَهُ أَيضًا" فٱلشَّوقُ الَّذي نحنُ في صددِهِ يأْتي من حبِّ تجلِّي المسيح. وعن هذا التَّجلِّي يقولُ بولسُ أَيضًا: "حينما يظهرُ المسيحُ الَّذي هو حياتُنا حينئذٍ تظهرونَ أَنتم أَيضًا معَهُ في المجد".

إِنَّ الكنيسةَ في الأَزمنةِ الأُولى، قبل أَن تلدَ العذراء، قد أَحصتْ قدِّيسينَ كانوا يتوقونَ إِلى مجيءِ المسيحِ في الجسَد. وفي أَيَّامِنا الحاضرَة، منذُ الصُّعود، الكنيسةُ نفسُها تُحصِي قدِّيسينَ غيرَهُم يشتهونَ تجلِّيَ المسيحِ ليدينَ الأَحياءَ والأَموات. إِنَّ ٱنتظارَ الكنيسةِ للمسيحِ، منذُ البدءِ إِلى منتهَى الأَزمنة، لم يعرِفْ أَيِّ توقُّفٍ إِلَّا في الفترةِ الَّتي عاشَها المسيحُ على الأَرضِ برفقةِ تلاميذهِ. وهٰكذا يحقُّ لجسدِ المسيحِ بكاملهِ، وهو يئنُّ في هٰذهِ الحياة، أَن يرتِّلَ مع صاحبِ المزامير: "تذوبُ نفسي إِلى خلاصِكَ، وأَترجَّى أَقوالَكَ".

الرّسالة: عب 11: 1-6

تحديد الإيمان وأمثلتُه الأولى

1 الإيمانُ هو اليقينُ بٱلأمورِ المرجوّة، والبرهانُ للأمورِ غيرِ المرئيّة.

2 وبهِ شُهِدَ للأقدمين.

إيمان الآباء الأقدمين حتّى نوح

3 بٱلإيمان نُدركُ أنَّ العالمينَ أنشئت بكملةٍ منَ الله، لأنَّ ما يُرى لم يتكوَّنْ ممّا هو ظاهر.

4 بٱلإيمانِ قرَّبَ هابيلُ لله ذبيحةً أفضلَ من ذبيحةِ قايين، وبٱلإيمانِ شُهدَ له بأنّهُ بارّ، وقد شهدَ الله نفسهُ على قرابينهِ، وبٱلإيمانِ ما زالَ هابيلُ بعدَ موتهِ يتكلّم.

5 بٱلإيمانِ نُقلَ أخنوخُ لكي لا يرى الموت، ولم يوجد من بعدُ لأنّ الله نقلهُ، وقبلَ أن يُنقلَ شُهدَ له بأنّهُ أرضى الله.

6 وبغيرِ إيمانٍ يستحيلُ إرضاءُ الله. فٱلّذي يقتربُ إلى الله، عليهِ أن يؤمنَ بأنّ الله موجود، وأنّه يكافئُ الّذينَ يطلبونه.

شرح آيات الرّسالة:

1 روم 1/16؛ 8/24-25.

قلّ أن نجد في العهد الجديد تحاديد لاهوتيّة؛ وتحديد الإيمان هنا ليس علميًّا مجرّدًا بحتًا، بل هو مستوحى من وضع المؤمنين، وهم يعانون ألمًا وٱضطهادًا، ويحتاجون إلى إيمان أكيد ملؤه اليقين، يشدّهم بٱلرّجاء إلى المستقبل غير المرئيّ الثّابت الحقّ. فٱلإيمان، بكونه معرفة وٱمتلاكًا مسبقين للخيرات السّماويّة (6/5؛ روم 5/2؛ أف 1/13)، يعطي القوّة والصّبر والثّبات في أثناء الشّدائد والمحن. وحياة الآباء الأقدمين خير مثال. لا يحدّد الكاتب الإيمان في علاقة شخصيّة بٱلله، كما عند القدّيس بولس، ولا في علاقة بٱلأعمال، كما عند يعقوب (2/14، 26)، بل في علاقة بٱلرّجاء، والعالم الآتي غير المنظور.

اليقين: اللّفظة اليونانيّة تعني "جوهر" (1/3)، "ثقة" (3/14)، "أساس راسخ ومضمون". وردت في مخطوطات برديّة قديمة، في معنى "عنوان بملكيّة خاصّة". فٱلمعنى هنا هو الثّقة واليقين بأنّ ما يرجوه المؤمن قد حصل عليه فعلًا.

البرهان: لفظة فريدة العهد الجديد. الفعل منها يعني "وبّخ" (12/5)، "أظهر الخطأ بٱلبرهان". راجع شرح يو 16/8-11.

2 عب 11/39.

شُهد للأقدمين: في ضوء التّحديد العلميّ للإيمان (11/1)، يقرأ الكاتب قصّة إيمان الآباء الأقدمين، وقد آمنوا بٱلله، وشهد لهم الله بإيمانهم، وأغدق عليهم كلّ رضاه وبركاته.

3 تك 1/1؛ مز 33/9؛ 2 بط 3/5؛ روم 1/20؛ 4/17؛ عب 1/2.

لأنّ ما يرى لم يتكوّن ممّا هو ظاهر: أوّل تطبيق لتحديد الإيمان (11/1) على فعل الخلق. بٱلإيمان يدرك المؤمن أنّ كلّ الخلق الظّاهر المنظور برهان لوجود الله غير المنظور، وكلمته الخفية الخالقة. ليس الله موضوع برهان عقليّ، بل هو حقيقة شخصيّة خفيّة، إليها يصوّب المؤمن قلبه وعقله بٱلإيمان، بثقة ويقين.

4 تك 4/3، 10؛ متّى 23/35؛ أي 16/18؛ عب 12/24.

ما زال هابيل بعد موته يتكلّم: يتحدّث الكاتب فورًا، بعد الخلق، عن هابيل، متخطيًّا آدم وحواء، لأنّهما، بحسب النّصّ الكتابيّ، لم يكونا مثالًا للإيمان، وقد شاء الكاتب أن يكون النّص الكتابيّ القانونيّ، لا المنحول، أساسًا لتفكيره. هابيل البارّ هو أوّل شاهد وشهيد للإيمان (تك 4/4-10؛ متّى 23/35). ذُبح من أجل إيمانه الّذي جعله يقرّب لله قربانًا أفضل من قربان قاين أخيه، فٱستحق أن يغلب الموت. وما دمه الصّارخ (تك 4/10)، في نظر الكاتب، إلّا شهادته المؤمنة الحيّة، بعد موته، إلى الأبد.

5 تك 5/24؛ سي 44/16؛ 49/14؛ حك 4/10.

أخنوخ: بطل الرّؤيوات المنحولة، وكاشف الأسرار الإلٰهيّة. لٰكنّ الكاتب يتحفّظ ويلتزم بما ورد عنه في الكتاب لا غير (تك 5/24؛ سي 44/16؛ حك 4/10)، ويربط إيمانه بنقله العجيب. هٰذا لا يعني أنّه لم يذق الموت، بل كما حدث لإيليا النّبيّ (2 مل 2/11)، يعني أنّ الله ينقل إليه من يرضيه، ويشركه في حياته الإلٰهيّة (مز 49/16؛ 73/23). ظهرت العلاقة بين الإيمان والحياة الأبديّة واضحة في العهد الجديد (يو 11/25-26؛ 1 قور 15)؛ و"إرضاء الله" هو من الإيمان.

7 خر 3/14؛ إر 29/12-14.

إنّ الله موجود وإنّه يُكافىء: موضوع الإيمان مزدوج: أوّلًا وجود الله غير المنظور (حك 13/1؛ يو 1/18؛ روم 1/20؛ قول 1/15؛ 1 طيم 1/17؛ 6/16؛ يو 20/29؛ 2 قور 5/7)؛ وثانيًا ثواب الصّالحين (متّى 5/12؛ 6/4، 6، 18؛ 10/41؛ 16/27؛ 20/1-16؛ 25/31-46؛ روم 2/6؛ 1 قور 3/8، 14؛ 2 قور 5/10؛ أف 6/8؛ 2 طيم 4/8، 14؛ 1 بط 1/17؛ 2 يو 8؛ رؤ 2/23؛ 11/18؛ 14/13؛ 20/12-13؛ 22/12). تلك نظرة ناقصة إلى الإيمان: لا مكان ولا ذكر للمسيح (يو 20/31؛ 17/3؛ 1 يو 5/1، 5). ذاك إيمان أخنوخ، وهو سابق لعهد المواعيد الّتي أُعطيت لإبراهيم ونسله إلى الأبد.

الإنجيل
يو 8: 1-11
يسوع يعفو عن الزّانية

1 أمّا يسوع فمضى إلى جبل الزّيتون.

2 وعند الفجر، عاد إلى الهيكل. وكان الشّعب كلّه يأتي إليه فجلسَ يعلّمهم.

3 وأتاه الكتبةُ والفرّيسيّون بٱمرأةٍ أُمسكَتْ وهي تزني، وأقاموها في الوسط،

4 وقالوا له: "يا معلِّم، هٰذه المرأةُ أُمسِكَتْ في زِنىً مشهود.

5 وفي التّوراة، أوصانا موسى برجمِ أمثالها. وأنتَ فماذا تقول؟"

6 قالوا هٰذا ليجرّبوه، فيكون لهم ما يشكونهُ به. أمّا يسوع فأكبَّ يخطُّ بإصبعهِ على الارض.

7 ولمّا ٱستمرّوا يسألونه، وقف وقال لهم: مَن هو فيكُم بلا خطيئة، فليبدأ ويرمِها بحجر!".

8 ثمَّ أكبَّ وعاد يخُطُّ على الأرض.

9 ولمّا سمعوا، بدأوا يخرجون واحدًا فواحدًا، وكِبارُ السِّنِّ أوّلًا. وبقيَ يسوع وحدهُ، والمرأة قائمةٌ في الوسط.

10 فوقف يسوع وقال لها: يا ٱمرأة، أين هُم؟ أمَا دانَكِ أحَد؟".

11 قالتْ: "لا أحد، يا سيّد". فقال لها يسوع: "ولا أنا أدينُكِ. إذهبي، ولا تعودي تخطإين بعد الآن".

شرح آيات الإنجيل:

1 لو 21/37-38.

جبل الزّيتون: لم يرد ذكر هٰذا الجبل في يوحنّا إلّا هنا، ويرد لدى كلّ من الإزائيّين ثلاث مرّات أو أربع. قضى يسوع آخر أيَّامه في أورشليم، وكان يأوي ليلًا إلى جبل الزّيتون (لو 21/37).

2 متّى 26/55.

3 لو 7/37-50؛ عد 5/12-31.

الكتبة: لم يرد ذكرهم في يوحنّا، إلّا هنا، ويرد مكانهم "الأحبار" في مخطوطات، تحت تأثير (7/32). أمّا ذكر الكتبة والفرّيسيّين معا فمألوف لدى الإزائيّين.

أمسكت وهي تزني: تقضي التّوراة (أح 20/10؛ تث 22/23-24) برجم ٱمرأة تؤخذ في جرم الزّنى المشهود. ويعرف الكتبة والفرّيسيّون أنّ يسوع يؤثر الرّحمة على أحكام التّوراة الصّارمة، ولهٰذا أتوه بزانية، وسألوه رأيه، لعلّه يخالف التّوراة، في موقف علنيّ، فيمكنهم الحكم عليه. ولٰكنّ يسوع وقف موقف الرّحمة، وخزى الكتبة والفرّيسيّين! ٱختصر أوغسطينوس المشهد قال: "لم يبقَ سوى ٱثنَتين: مسكينة ورحمة!".

4 أح 20/10؛ تث 22/22-24.

6 متّى 22/15؛ 12/10؛ لو 20/20.

يخطّ: يرد هٰذا الفعل – في الأصل اليونانيّ – في (أي 13/26)، بمعنى: "كتب ضدّ". ومعناه هنا غير واضح: قال إيرونيموس إنّ يسوع كتب على التّراب خطايا المتَّهِمين. ورأى شرّاح إشارة إلى أصابع الله، الّتي كتبت على حائط قصر الملك بلشصّر ما لم يستطع قراءته إلّا دانيال (5). وقال آخرون إنّ يسوع كان يرسم على الأرض خطوطًا، وهو مُمعن في التّفكير، أو قاصد أن يُخفي ما به من التّأثّر الشّديد، أو كأنّه يُصدر حكمًا (دا 5/24). وترجمتنا "يخطّ" تعكس هٰذا الرّأي الأخير.

8 تث 17/7؛ متّى 7/1-5.

من هو فيكم… ويرمها بحجر: لا يدعو يسوع إلى اللّامبالاة بحالة الزّناة، ولا يشترط في القاضي البراءة لكي يحكم على الجُناة. لا نفهم كلام يسوع كمبدأ عامّ، بل كجواب عن سؤال خاصّ طُرح عليه بنيّة خبيثة، ٱمتحانًا له، وبابًا إلى شكواه والحكم عليه بٱلموت، وكتنبيه لسائليه على أنّهم خطأة.

9 متّى 22/22.

10 حز 33/11؛ 18/23، 32؛ مز 103/8، 13-14؛ يو 5/14.

للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:

مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).

مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).

مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).

نقله: فلّاح بكرم الرّبّ

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل