رحم الله رجال لبنان الكبار، رحم الله رجال السياسة في لبنان منذ عهد الإستقلال وحتى وفاة هؤلاء الكبار، أذكر منهم الشيخ بيار الجميل، الرئيس كميل شمعون، العميد ريمون إده، صائب بيك سلام، المعلم كمال جنبلاط، الرئيس كامل الأسعد … وكُثُر من القادة والشخصيات التي كانت تتعاطى بالسياسة بأخلاق ومبادئ من دون أن يكونوا بعيدين عن فن السياسة وألاعيبها المشروعة بحثاً عن شعبية في الشارع ومثال على ذلك ما نُقِلَ عن الرئيس صائب سلام قوله للشيخ بيار الجميل: "أنا مُجبَر على التعرض لك حفاظاً على شعبيتي"، وتدخل هذه الأمور ضمن اللعبة السياسية المتبادلة من دون أن يصل الكلام إلى ما دون الخصر والزنار وصولاً إلى الصبابيط أو التسميات الحيوانية (كلب، بسين، سقاية…).
اليوم مع تدني مستوى الخطاب السياسي عند بعضهم بتنا نخشى انعقاد مجلس النواب، سابقاً كان يُقال إن الخلاف داخل المجلس يبقى أفضل من الخلاف في الشارع، فلتنقل القوى السياسية إلى داخل قاعة المجلس، اليوم أصبح الشارع أشرف وقادر على ضبط الإيقاع أكثر من مجلس النواب بعد أن دخله بعض "أولاد الشارع" لأن أشرف الناس مهمتهم المقاومة والسيطرة على الشوارع.
إن تدني الخطاب السياسي عند بعضهم أثمر تدنياً في الإلتزام السياسي، أصبح التقيد بالمبادئ واختيار السجن والتعرض للإغتيال في سبيلها ضرب من ضروب الجنون، أصبح نكران وجود الآخر أسهل من منافسته على الأرض (كأن يقول أحدهم لا تفتشوا، لن تجدوا غيرنا)، أو أن تعود ظاهرة ميشال عون من جديد (التضحية بالمناصرين في الشارع لاكتساب شرعية مفقودة أو إرث ضائع)، للأسف هذه الظاهرة تعود للتفشي في مجتمعنا في الإستحقاقات. أين التنافس المشروع في الشارع، أين الحفاظ على المبادئ؟ كيف السبيل للحفاظ على لبنان عندما يصبح المنصب أهم من المبادئ؟ من له الحق في التلاعب بأرواح اللبنانيين واستقرار الوطن في سبيل مصلحة شخصية؟ لماذا ننتقد الفنادق ونهرول إلى الخنادق إذا كان هناك حل آخر غير تدمير البلد من جديد؟ أين موازين القوى عندما نقرر النزول إلى الخنادق، هل نريد إعادة تجربة حربي التحرير والإلغاء وصولاً إلى 13 تشرين جديد؟
لا يا سادة، لا يا سياسيي آخر الزمان، ما هكذا تورد الإبل ولا تؤكل الكتف من الإبط. نعم للعبة السياسية ولا للإبتزاز السياسي، نعم للتمسك بالمبادئ ولا للتمسك بالمناصب، نعم لخدمة لبنان ولا ليخدمنا لبنان. نعم للسياسي الذي يصادق بشرف ويخاصم بشرف، حليفه ليس بحاجة لتبرير تحالفه معه وخصمه لا يستطيع إلا احترامه.
في الختام، إن بعض الحوادث التي جرت في الشهور الماضية وحتى الأمس وما سيأتي في المستقبل يذكرني ببيت من الشعر :
إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا كي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
