اخذ التفجير الذي استهدف عناصر من الكتيبة الفرنسية في الجنوب الاسبوع الماضي بعدا لم يتخذه من قبل، على صعيد مظهرين أو تطورين أساسيين : احدهما ان الادانات لهذا التفجير كانت شاملة، بحيث لم تقتصر على كل من المراجع الرسمية او الحكومة مجتمعة فحسب بل شملت كل الاحزاب والتيارات في الاكثرية كما في المعارضة، على نحو لم يظهر من قبل. والتطور الاخر تمثل في عدم اخفاء وزير الخارجية الفرنسي الان جوبيه، ولو على نحو غير مباشر ، ما حرصت فرنسا دوما على عدم اظهاره لجهة توجيه اصابع الاتهام في ما يحصل في الجنوب الى من تعتقد باريس ومعها قوى لبنانية ودولية أنها الجهات المعنية بكل ما يجري في الجنوب، ليس حالياً فحسب بل منذ تعرض العناصر الدولية ولا سيما منها العناصر الفرنسية المشاركة في القوة لاعتداءات واشكالات حملت فرنسا مسؤوليتها ضمنا لـ"حزب الله "، على رغم انها كانت تحصل بين "اليونيفيل" والاهالي.
ما جرى ويجري يكتسب ابعادا مختلفة في الظروف والتداعيات الاقليمية الراهنة وفق ما تخشى مصادر وزارية . وتتجه الانظار الى الخشية من انسحاب اوروبي من القوة الدولية على رغم أن الامر ليس مطروحا بهذه الصيغة حتى الان على الاقل لان من شأنه ان يفرغ القوة الدولية العاملة في الجنوب من مضمونها، فيما هناك حرص دولي كبير على الاستقرار ويمكن ان يعرض لبنان لاخطار شتى نتيجة الرغبة الاسرائيلية في بقاء الاوروبيين من ضمن القوة الدولية في الجنوب ، في هذا الوقت فان ما يجري وفقا للمصادر الوزارية بات يثير المخاوف من باب الخشية ان تتسبب اخطاء او سوء ادارة للشأن الجنوبي بما يمكن ان يكون كارثة على مستويات عدة . ففي زمن انهيار النظام السوري، ايا تكن الاسباب، سواء الثورة الشعبية او ما يعتبره النظام وحلفاؤه في لبنان مؤامرة على هذا النظام ، فان الاحداث المتفرقة في الجنوب يتفق الجميع على وضعها علانية او ضمنا في خانة مسؤولية طرف محدد هو " حزب الله"، باعتبار ان وجوده هو الابرز والوحيد المؤثر غير الرسمي على الارض، ولو لم يكن هو المسؤول المباشر عنها . وتقول المصادر الوزارية المعنية ان ثمة مشكلة تتمثل في أن هناك ازديادا للمخاوف لدى اهل الجنوب مما يجري لان هؤلاء لا يرغبون في ان يحصل اي شيء لديهم، في حين تتداول على نطاق واسع أخبار عن وجود مخازن اسلحة للحزب يشكل تفجر البعض منها دليلا على ان الحزب يختار امكنة تشكل تحديا كبيرا للقوة الدولية وللبنان في هذه الظروف، كما ان هناك خشية في ظل ورود معلومات عن نقل الحزب اسلحته من سوريا. وهذا امر ليس مستبعدا على نحو كلي وفق ما يسود الاعتقاد، على قاعدة أن لا مصلحة لدى الافرقاء المعنيين في حرب انطلاقا من الجنوب . اذ ان بعض الحوادث التي تقع في هذه المنطقة على نحو متواتر قد تؤدي الى هذه الامور في لحظة غير متوقعة، وفق المعادلة التي صاغها الامين العام لـ" حزب الله" السيد حسن نصرالله "لو كنت اعلم"، حتى لو كان أعلن النصر في الحرب . يضاف الى ذلك ما تراه هذه المصادر في الافق لجهة أمرين على الاقل: الاول ما يتصل بالتطورات السورية وتداعياتها المحتملة على نحو لا يمكن تجاهله على لبنان وعلى حلفاء النظام وفي مقدمهم الحزب. والآخر لجهة أن السلاح الذي يقول الامين العام للحزب انه تضاعف وازداد، بات يشكل معضلة لبنانية واقليمية، بحيث يخشى ان يدفع لبنان ثمن هذا السلاح كما دفع في السابق ثمن السلاح الفلسطيني حين بدأت الحرب في لبنان بسببه ولو كان لها اسباب اخرى، وكما دفع الثمن لدى اجتياح اسرائيل لبنان وصولا الى بيروت والسلاح السوري اضافة الى السلاح الداخلي وما عاد للميليشيات منهم وللقوى الاخرى بمن فيهم القوى المسيحية . والسلاح لدى الحزب يتخطى قدرة لبنان ووضعه كما يتخطى قدرة الوضع الاقليمي على تحمله، شأنه شأن السلاح الفلسطيني عام 1981 حين كان قرار الجنوب في يد "ابو عمار" سلما وصولا الى الاجتياح الاسرائيلي الذي حصل بتوافق اقليمي ودولي الى حين تجاوز بعض خطوطه المتفق عليها.
ولذلك فإن هناك تحديات تتصل بالمخاوف من مراجعة الاستراتيجية الدولية للمشاركة في القوة العاملة في الجنوب والتي تقتضي تسليم الجيش اللبناني مواقع اضافية من ضمن القرى على رغم إقرار ديبلوماسي غربي بأن هناك تهاونا وتعاونا من الجيش مع "حزب الله" بما قد لا يتيح للدولة في ظل المعادلة القائمة في البلد بإمساك القرار الامني والسياسي في الجنوب، لكنها مشكلة الدولة اللبنانية التي يقع عليها تنفيذ هذا الالتزام، باعتبار ان العجز في سنوات الحرب كان متصلا بفريق فلسطيني خارج عن سلطة الدولة، فيما الحزب مشارك في الحكومة ومجلس النواب ويبقي قرار الحرب والسلم في يده بعيدا من قرار الدولة، على أي مستوى كان. وفي هذا الاطار، فان التحدي لما بعد استراتيجية القوة الدولية في الجنوب وفي ضوء تطورات الوضع السوري والتغييرات الحتمية التي يحملها ايا كانت نتيجتها، هو أحد خيارين: العمل على استيعاب السلاح من ضمن الدولة في أي صيغة يتفق عليها، او ان هذا السلاح وفي ظل كل العوامل المذكورة آنفاً، اي الحوادث في الجنوب وتخطي السلاح الموجود لدى الحزب حجم لبنان وقدرته والقدرة الاقليمية ايضا على تقبله، يمكن ان يؤدي الى حرب تخشى المصادر الوزارية المعنية ان يكون هو الخيار الثاني والذي لن يكون هناك مفر منه تحت أي ذريعة يمكن ان تستغلها اسرائيل او تؤدي اليها الحوادث المتفرقة والمتعددة انطلاقا من الجنوب. فتاريخ الحرب في لبنان على مدى عقدين من الزمن يحتّم قراءة موضوعية لمسار الامور، علما أن الخشية من الحرب ترافقها الخشية من ان لا يرفق أحد بلبنان إذا ادت عمليات اطلاق الصواريخ واستهداف "اليونيفيل"، لا من جهة العرب ولا من جهة اوروبا . ولدى كل من هؤلاء نظرته الى الوضع اللبناني التي اختلفت عما حصل عام 2006، بحيث ساهموا في المساعدة على رغم تحميل لبنان مسؤولية نشوب الحرب. وهذا امر يخشى ان يختلف لاعتبارات كثيرة، فضلا عن أن هذه الحكومة هي في نظر العرب والغرب حكومة النظام السوري و "حزب الله"، رغم مهادنتها لاسباب واعتبارات موضوعية تحتم ذلك.