أول معرفتي بالدكتور نواف الموسوي كانت عبر الكتاب الذي ترجمه لهنري كوربان عن الإسلام الايراني ونشرته "النهار" عام 2000. الكتاب الذي وضع بالفرنسية ونقله الموسوي الى العربية يمثل اضافة مهمة الى المكتبة العربية. وهنا كان المترجم شخصاً آخر غير النائب الذي أطل الاربعاء الماضي في مجلس النواب.
تجد نفسك أمام مفارقة مماثلة في شخصية الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الذي ينتمي الموسوي الى كتلته النيابية عبّر عنها نيكولاس بلانفورد في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "محاربو الله" والذي يوثق نشأة "حزب الله" وصيرورته بما يثير الاعجاب.
في هذا الكتاب عرض لشخصية نصرالله الذي كان انطوائياً وخجولاً عندما كان يتدرج في الحزب. لكنه اليوم يتميز، بحسب معرفة من هم خبراء في الحزب، بالعنف الذي يعبّر عن ذاته بخطاب عالي النبرة لا يدع مجالاً للهدوء والتروي واستشراف المخارج.
الأمر يحتاج في العمق الى مهارات علم النفس لمعرفة هذا التحول في هاتين الشخصيتين. على رغم انه من المبالغة القول ان أحداً منزّه عن الانفعال. فكيف إذا كان المرء يعيش في بلد كلبنان ومنطقة كالشرق الأوسط؟ لكن هنا الكلام يعني من هم في موقع المسؤولية التي قد تقود ليس الاشخاص فحسب وانما الوطن الى الهلاك. ولذا لا يمكن التعامل مع الموضوع بترف وتعفف.
بين "أشرف الناس" و"أشرف صبّاط" مسلسل انحداري ينبئ بأن العربة تتجه الى الهاوية ما لم تتوافر لها كوابح استثنائية. هل هناك من ناصح للحزب يدعوه الى الالتفات الى الاحوال في زمن التقلبات؟ بالتأكيد ان الاعتذار الذي صدر باسم الموسوي يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. أما الاتجاه الأصح فهو الذهاب الى حيث تتحقق الظروف التي يستعيد فيها "حزب الله" ومعه اللبنانيون سكينتهم في زمن التوتر الذي يعصف بكل مكان في المنطقة. الكثير الذي يقال ان قرار الحزب ليس بيده. ولكن القليل من الاحتمالات يفيد بأن هذا الفريق الذي يمثل فئة واسعة من اللبنانيين لا يمكن أن يكون ببساطة غافلاً عن أحوال العالم العربي الذي ينتمي اليه لبنان. فلبنان العربي المتأثر بالديكتاتوريات، وأهمهم الديكتاتور السوري، سيكون غداً متأثراً بشدة بالانظمة الحرة، وأهمها سوريا ما بعد سقوط الرئيس بشار الأسد ونظامه.
ان تجاهل هذه الحقيقة الساطعة هو في أغلب الظن وراء التوتر الذي يميّز سلوك "حزب الله" وكل الذين يقفون على الجانب الخطأ من التاريخ.
الحذاء عاد الى القدم. والسؤال متى يعود الهدوء الى العقول؟ كل اللبنانيين مدعوون الى الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ. أما "حزب الله" فعليه أن ينتقل من الاعتذار الى صنع تاريخ بلده المفطور دوماً على الحرية، وإلا فإن الحذاء سيخرج من القدم مجدداً.