افترض مبدئياً يا اخوان، ان أحداً لا يُجادل في مسلّمة مفادها ان "حزب اله" يتحكّم بالمناخ اللبناني، السياسي وغير السياسي منذ ست سنوات وأكثر. واننا شئنا أو أبينا (ونحن لم نشأ) يدوزن مزاج ذلك المناخ على وقع خطواته وتصريحاته وغزواته وحروبه الفعلية، العسكرية والأمنية، وتلك المتصلة برديفاتها في السياسة والإعلام.
وأفترض مبدئياً بعد ذلك، اننا شئنا أو أبينا (ونحن لم نشأ) دفعنا وندفع كلنا في الاجمال، المواطنون اللبنانيون الحائزون على الأهلية التامة لحمل هويتنا، أثمان ذلك المشروع الطموح والجامح الذي يحمله الحزب ويضعه بالأصالة النسبية عن نفسه، وبالوكالة عن حلفائه أو حليفه الأول إيران، موضع التنفيذ، أو التجريب أو المحاولة وبزخم واضح، ودأب مؤسساتي ومنظّم الى أبعد حدود التنظيم.
مشروع إسبارطي مشكلته في جغرافيته قبل أن تكون في استحالته. حيث اننا في لبنان البلد العصي على الضبّ والاختزال. الفريد في خلاصاته ومفارقاته، والذي مكامن ضعفه هي ذاتها مكان قوته: تعددية دينية (أولاً) منعت نزوحه الى المناخ الانقلابي أو الحزبي الاحادي أو الديكتاتوري العربي (المعنى واحد). وتلك التعددية ولّدت وفرخّت حيثيات استنفارية في الاقتصاد والمال والفكر والعسكريتارية، ومشت في جملتها، في حقول القتل قبل أن تعود من ذلك التيه التمايزي مدمّاة وجريحة ومكسورة الخاطر، لتستكين تحت خانة الإجماع، متدفئة بالهوية الواحدة، وهاربة من لسع صقيع الهويات العصبية ومرارة التجربة!
ذلك الخليط حصّن بلدنا بقدر ما شلّعه. لكن المحصلة الوحيدة لمجمل تلك التجارب هي ان جهة واحدة لا تستطيع أن تحكم أو تتحكم بالآخرين مهما امتلكت من مقومات ومقدّرات… تستطيع تلك الجهة (وفي حالتنا هي حزب الله) أن تُسمم جوّها ومحيطها أو تعسّـّله. وتستطيع أن تُبقي مواضع القلق والتوتر والتوجّس حارة وعاجلة وطازجة على الدوام، أو أن تطفئها وتبرّدها، لكنها لا تستطيع "السيطرة". لا المطلقة ولا النسبية، ولا الواضحة ولا الملتبسة.. في ذلك نعمة ربّانية مُثلى!
المعضلة الفجّة والمقلقة الى آخر حدود علم النفس، هي ان "حزب الله" يصرّ حتى الساعة على استبدال حقائق لبنان العامة بطموحاته الخاصة. ولا يعوّف او يوّفر أو يعدم طريقة أو أسلوباً أو غواية من أجل تأكيد منحاه هذا. وكأنه في المحصلة الأخيرة قرر استناداً الى "يقينياته" الدخول في التجربة حتى النهاية. وفي ذلك يصح الاستطراد الافتراضي بأن أصحاب القرار هنا ليسوا "محليين" وإنما "غرباء" يعرفون الكثير من حقائق وأرقام البلد لكنهم لا يعرفون روحه التامة ولا طبيعته الأخيرة؟!
يفترض كثيرون تبعاً لذلك، ان الأوان فات ومات على احتمال "عودة الروح" الى ذلك النص الحزبي ومشروعه الأكبر من حدود الكيان اللبناني. وان الرهان على تلك العودة لا يتناسق ولا يتناسب ولا يسري سريان منطق التسوية في كتاب الحياة، مع الغلو الطافح في ذلك النص وفي أصحابه، ومع تنامي ما اصطلح على وصفه بـ"فائض القوة".
لكن رغم ذلك، ربما تشي الأقدار بغير قرار. وربما يوصل كل ما يجري عندنا ومن حولنا، الى مكان ما، يُعيد فيه أهل الحزب الحديدي قراءة لبنان من جديد، في كتاب ليس من انتاجهم، وفي نص ليس وليد غلوائهم وجموحهم وقوتهم. ما يوصلنا في نهاية المطاف الى "حالة" لبنانية أولى مفادها: ان الدولة بديل نبيل وكريم، يحفظ مياه وجوه الجميع، ويخرجهم من أسر الاحراج وذلّ الانكسار.. وفي ذلك لو وصل صوت المنادي، قمّة الرجاء، ضناً بأهل التجربة المستحيلة، وبنا جميعاً سواء بسواء.. ولم يفت الأوان!