#adsense

سياسة “النأي بالنفس”.. هل تشمل الجنوب أيضا؟!

حجم الخط

بعد التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول قوات "اليونيفيل" في الجنوب اللبناني والتوجه لاعادة تقييم دورها في المرحلة المقبلة، وحديث قائد هذه القوات اللواء البرتو أسارتا عن أن مسلحين وأسلحة ما زالوا موجودين في منطقة عمل هذه القوات خلافا لنص القرار 1701، يخطئ من يظن بأن التنديد الكلامي بما تتعرض له هذه القوات من اعتداءات أو باطلاق صواريخ من منطقة عملها يكفي لحفظ الأمن على الحدود مع العدو الاسرائيلي من جهة أو لبقاء القوات في لبنان وأدائها مهماتها من جهة ثانية.

وفي الواقع، فلا تفعل الحكومة اللبنانية غير ذلك، كما لا يفعل غيرها من قوى الأمر الواقع التي تكرر ليل نهار أنها تزداد عدة وعددا، فضلا عن أنها تسيطر عمليا على الأرض وتعتبر نفسها قوة الدفاع الأساسية والأولى عنها.

ذلك أنه بعد خمس سنوات كاملة على صدور القرار 1701، وتكرار الشكوى اللبنانية من عدم الانتقال من وقف العمليات الحربية الى وقف اطلاق النار كما ينص القرار، ما تزال قوى مسلحة غير شرعية (بحسب تعريف الأمم المتحدة) متواجدة في المنطقة التي يفترض أنها انسحبت منها منذ ذلك التاريخ. ليس ذلك فقط، بل ان القوات الدولية العاملة فيها تتعرض الى اعتداءات بالعشرات حتى الآن سواء في أثناء قيامها بواجبها أو في خلال تنقلها بين مواقعها أو بينها وبين العاصمة والمدن الأخرى. بل وأكثر، فعندما يتبين أن الكتائب المستهدفة هي اما فرنسية أو ايطالية أو أسبانية، من دون ما عداها من قوات تنتمي الى أكثر من عشرين دولة، لا يكون من قبيل الظلم للمعتدين والذين يقفون وراءهم الظن بأن عملهم يرمي الى هدف سياسي قبل أي شيء آخر.

ولعله من هنا، وليس من أي منظور آخر، جاء وصف وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه للاعتداء الذي استهدف كتيبة بلاده في صور بأنه "رسالة" موجهة الى باريس مباشرة، وبأن العاصمة الفرنسية قد تسلمتها وان "لم تكن تملك الدليل الكافي على ذلك"!. ولعله من هنا أيضا، وبعد أقل من 48 ساعة على "الرسالة" الفرنسية، جاء اطلاق صاروخ مجهول الهوية(وربما مجهل الهدف عمدا، لأنه سقط في قرية حولا اللبنانية) للقول ان الجنوب ليس صندوق بريد فقط بل هو صندوق ألغام يمكن أن ينفجر في وجوه الجميع في أية لحظة أيضا.

مع ذلك، لم يتغير شيء في الموقف الحكومي اللبناني: التنديد الكلامي على أرفع المستويات ومن كل الفرقاء، ثم زيارة لقائد الجيش شملت موقع الاعتداء على الكتيبة الفرنسية وموقع اطلاق الصاروخ المجهول والمجهل للأهداف المعروفة!.

هل هي نظرية "النأي بالنفس" ما غيرها، يعتمدها الحكم في لبنان مجددا تجاه ما يجري في الجنوب ضد أهله والقوات الدولية معا، بالاسلوب نفسه الذي اعتمده في الأمم المتحدة والجامعة العربية ازاء ما يعتبره علاقة خاصة مع سوريا؟. وهل يستقيم الأمر عندما تتحدث دمشق، في سياق أزمتها الداخلية الراهنة، عن لبنان بوصفه احدى عيون الزلزال الذي سيضرب المنطقة عن آخرها اذا تعرضت سوريا الى عمل عسكري من الخارج؟.

واقع الحال أن لا "النأي بالنفس" أعفى لبنان من السقوط سياسيا على مستوى العالم وبين العرب، ولا هذا يعفيه الأن من المسؤولية عمليا عن أمن المواطنين في الجنوب وتجاه الأمن في المنطقة عموما. اذ لا يعني شيئا، بالنسبة للخارج فضلا عن الداخل، أن يردد لبنان يوميا أنه يتمسك ببقاء قوات "اليونيفيل" وتنفيذ القرار 1701 فيما لا يفعل الا أنه يكتفي بالتنديد بالاعتداءات المتكررة عليه(على القرار) وعلى القوات المكلفة بتنفيذه.

وصحيح أن العدو الاسرائيلي لم يوقف بدوره اعتداءاته على القرار وقوات "اليونيفيل"، بالتحليق الجوي تارة وبالتوغل خارج الخط الأزرق تارة أخرى، الا أنه لم يقتل أو حتى يجرح واحدا من أفراها فيما لا يفتأ يدعي، تبريرا لاعتداءاته، أنه انما يراقب المسلحين والأسلحة… أولئك الذين تحدث عنهم بان كي مون والبرتو أسارتا في موقفيهما الأخيرين.

فأي مبرر للبنان، ولحكومته خاصة، أن يجد نفسه في وضع من يخرق القرار 1701 ثلاث مرات في وقت واحد: يطالب بتنفيذ باقي بنوده والانتقال به الى وقف اطلاق نار دائم، ثم يخرقه باستمرار تواجد الأسلحة والمسلحين حيث لا يجب أن يكونوا موجودين، ثم يوجه أسلحته وعبواته الناسفة ضد القوات المسؤولة عن هذا التنفيذ؟.

يخطئ من يظن أن العالم لا يدرك تعقيدات الوضع اللبناني، داخليا واقليميا، الا أنه يخطئ أكثر اذا ظن أن هذا العالم يمكن أن يتحمل طويلا سفك دماء أبنائه في الجنوب من جهة أولى واظهاره في صورة العاجز عن القيام بمهماته في حفظ الأمن في المنطقة من جهة ثانية.

ولهذا، فعلى الدولة اللبنانية أن تخرج من "القفص" الذي تسجن نفسها فيه، وتتصور في الوقت ذاته أن العالم يمكن أن يقبل بأن تسجنه معها داخله بعد الآن. سيكون عليها أن تقف موقف الدولة المسؤولة في الداخل اللبناني، ومع الأمم المتحدة وأمينها العام بان كي مون عشية اعادة تقييم دور قوات "اليونيفيل"، وربما اتخاذ القرار ببقائها من عدمه بعد الموقفين الأخيرين من بان وقائد هذه القوات.

هل تفعل هذه المرة، أم تبقى مقولة "النأي بالنفس" سياستها الوحيدة تجاه أبناء وطنها والأمن النسبي فيه كما كان الحال في ما يتعلق بالموقفين الدولي والعربي من المجزرة التي تستمر فصولا منذ 10 شهور في سوريا؟.

لا مؤشرات الى ذلك، لسبب بسيط ووحيد هو أن ما يهم بقاء الحكومة وليس أي شيء آخر. ولم تشكل هذه الحكومة أساسا الا لأن مسألة السلاح والأمن في لبنان، وليس في الجنوب فقط، كانت على جدول الأعمال في الحكومة السابقة.

وليس من المبالغة في شيء، اعتبار انه اذا استمر الوضع على حاله، فسيكون بقاء قوات "اليونيفيل" في الجنوب، وحتى بقاء الأمن في لبنان كله، البند الرقم واحد على جدول أعمال المسؤولين اللبنانيين في الفترة المقبلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل