خالف اللقاء المارونيّ كلّ التوقّعات بتوصّله إلى تصوّر مشترك لقانون الانتخاب، في حين أنّ أكثر المتفائلين بجدوى اللقاءات المارونيّة كان يرى أنّها لن تخرج عن مشهديّة سياسيّة ومحاولة لتنفيس أجواء التشنّج داخل البيئة المسيحيّة بفعل الانقسام العمودي القائم.
القاعدة الأساسيّة أو الفلسفة من وراء اجتماعات بكركي هي التأسيس على كلّ ما هو متّفق عليه، واستبعاد كلّ ما هو مختلف عليه، وانطلاقا من هذه القاعدة، توافق المجتمعون في الصرح البطريركي على اعتبار "طرح اللقاء الأورثوذكسي صيغة صالحة لتحقيق التمثيل العادل والفاعل لكلّ الفئات الشعبية، ولترسيخ المناصفة بين المسيحيّين والمسلمين التي تكرّس صيغة العيش المشترك"، كما "تكليف لجنة المتابعة المنبثقة عن اللقاء بدء التشاور مع المكوّنات الوطنيّة".
فاللقاء لم يعتبر، بهذا المعنى، أنّ ما تمّ التوصّل إليه هو نهائيّ ومبرم وغير قابل للمراجعة والنقاش، إنّما مجرّد "صيغة صالحة"، ولم يبلّغ المسلمين بـ"ليبان بوست"، بل مدّ يده إلى الشريك الوطنيّ لفتح حوار صادق وشفّاف حول مسألة جوهريّة، لا تفصيليّة، شكّلت، للتذكير فقط، سببا من أسباب الحرب اللبنانيّة عندما استظلّ فريق من اللبنانيّين منظّمة "التحرير الفلسطينيّة" تحقيقاً لمطلب المساواة في السلطة، وهو مطلب محقّ وبديهي، وعدم تجاوب المسيحيّين معه كان غير مبرّر، على رغم هواجسهم المشروعة…
إنّ تكوين السلطة في أيّ دولة ديموقراطيّة يرتكز على القاعدة الصلبة التي تقول بأنّ الشعب هو مصدر السلطات يمارسها عبر المؤسّسات الدستورية بواسطة انتخابات حرّة ونزيهة، أمّا في لبنان والدول المتنوّعة والمتعدّدة، فالقاعدة مركّبة وهي تشترط الآليّات الديموقراطية التي تعكس إرادة الناس من جهة، والتمثيل الطوائفي الذي يعكس أرادة الجماعات من جهة أخرى، وقد نصّ اتّفاق الطائف صراحة على الشراكة والمناصفة المسيحيّة-الإسلاميّة التي هي "مسألة ميثاقيّة" و"جزء لا يتجزّأ من الإصلاحات التي أنتجت الجمهوريّة الثانية"، كما جاء في بيان اللقاء النيابيّ الماروني الموسّع.
فالنظام اللبناني، وحتى إشعار آخر، أي إلى حين إلغاء الطائفيّة وفقا للآليّة الواردة في المادة 95 من الدستور، يبقى محكوما بتحقيق معادلة الطائف التي قالت بالمناصفة، وخلاف ذلك يعني ترسيخ منطق الغلَبة داخل النظام، وهذا المنطق مرفوض بوجهيه، إنْ الغلبة المسيحيّة في الجمهورية الأولى أو الغلَبة الإسلاميّة في الجمهورية الثانية، وما الكلام الذي تمّ تسويقه في مرحلة معيّنة، ومفاده أنّ المسلمين ارتضوا المناصفة شرط تعويض الخلل الديموغرافي الراجح لمصلحتهم بانتخاب قسم من النوّاب المسيحيّين، إلّا انقلاب سوريّ على الطائف وميثاق العيش المشترك، خصوصا أنّ المسيحيّين ارتضوا المناصفة عن قناعة ومن باب استقرار النظام وتطويره.
ومن هنا، إنّ المطالبة بقانون يتيح للمسيحيّين انتخاب نوّابهم المنصوص عنه في وثيقة الوفاق الوطني، هو مطلب حقّ، أمّا القول بأنّ هذا الاقتراح يخالف قاعدتين دستوريّتين: "لا شرعيّة لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، و"عضو مجلس النوّاب يمثّل الأمّة جمعاء"، فتعوزه الدقّة والوقائع السياسيّة للأسباب الآتية:
أوّلاً، المناصفة الفعليّة لا الشكليّة هي في صلب العيش المشترك وأساسه الذي يقوم على الشراكة في المؤسّسات الدستورية، هذه الشراكة التي تجعل من لبنان وطناً نموذجيّا. فالمناصفة هي المدخل للشراكة، والتي من دونها تتحوّل إلى مجرّد شعار للاستهلاك السياسيّ وإرضاء المسيحيّين من "كيسهم".
ثانيا، العيش المشترك هو مسألة إرادويّة نابعة من قناعة مشتركة أن لا خلاص لأيّ جماعة من دون الأخرى أو على حساب الأخرى.
ثالثا، لا تناقض بين أن يكون النائب منتخبا من بيئته ويمثّل الأمّة جمعاء في آن معا، وهذا ما يعكس، بحدّ ذاته، الواقع الحاليّ، إن لجهة شبه غياب تأثير الناخب المسيحيّ على انتخاب النوّاب السنّة والشيعة والدروز، أو لجهة شبه غياب تأثير الناخب المسلم على انتخاب النوّاب المسيحيّين في الدوائر المسيحيّة الصرف، بينما النوّاب المسيحيّين في الدوائر المختلطة، والذين يشكّلون ما نسبته نصف عدد الحصّة المسيحيّة الإجماليّة هم الوحيدون تقريباً الذين باسمهم يقتضي تطبيق قاعدة "تمثيل الأمّة جمعاء".
رابعا، إنّ الكلام حول أنّ انتخاب كلّ طائفة لنوّابها يؤدّي إلى وصول المتطرّفين من كلّ طائفة، يتناقض أوّلا مع الواقع الراهن الذي يتيح لكلّ من"حزب الله" و"حركة أمل" و"تيّار المستقبل" و"الحزب التقدّمي الاشتراكي" انتخاب نوّابهم، ويتناقض ثانيا مع احترام الإرادة الشعبيّة في الاقتراع لمن يجسّد تطلّعاتها شرط الالتزام بالآليّات الديموقراطية، ويتناقض ثالثا مع المناخات التي ولّدها الربيع العربي على قاعدة أنّ المهم ليس من يأخذ السلطة، إنّما كيف تؤخذ هذه السلطة، وخلاف ذلك يعني الخوف مما يجري في المنطقة ومن إرادة الناس.
وفي موازاة ذلك، ثمّة من حمّل اللقاء تقاعسه في مقاربة المسائل الكبرى التي لها علاقة بالتطوّرات الجارية على مستوى المنطقة وتداعياتها على لبنان، في حين أنّ إعطاء كلّ مسألة حقّها وما تستحقّ هو الاستراتيجية الأسلم، إذ لا يجب تغييب أيّ ملفّ على حساب الآخر. فالتصويب على السلاح غير الشرعيّ أو تأييد الثورات العربيّة، لا يفترض إهمال كلّ ما يتّصل بالشراكة وتكوين السلطة وسائر الملفّات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية، إذ ليس بالربيع العربي وحده يحيا الإنسان.
إنّها المرّة الأولى، ربّما، التي يجتمع فيها الموارنة على أمر مفيد يشكّل مدخلاً لإزالة ذيول الهيمنة السوريّة على القرار الوطني اللبناني، كما مدخلا لمعالجة الغبن المسيحيّ، تزامُنا ومواكبة مع حركة التحرّر العربي التي ستعيد للبنان معناه، وهذا الأمر غير ممكن قبل استعادة المسيحيّين حضورهم في الوطن، والحضور المسيحيّ الفعليّ، لا الصوري، هو الكفيل بتفكيك الحضور السوريّ-الإيراني، وليس من مصلحة السنّة الدفاع عن أيّ شيء وهميّ، من صلاحيّات حكوميّة إلى أكثريّة نيابية عاجزة عن الحكم، لأنّ "حزب الله" هو الفاعل الوحيد في البلد، وبالتالي المصلحة الوطنيّة تقضي بعودة المسيحيّين لاعبين أساسيّين ليتمكّنوا في الدفاع، جنبا إلى جنب، مع شركائهم السنّة عن "لبنان أوّلا" و"الدولة أوّلا".
