إنّ أسخفَ ما يسمعه المتابعون هذه الأيّام يتمثّل بمحاولة ما يسمّى "محور الممانعة" السوريّ – الإيرانيّ إقناع نفسه بأنّه منتصر باستكمال الولايات المتحدّة سحب جيوشها من العراق، لا بل يذهب إلى حدّ اعتبار أنّ هذا الانسحاب سيكون لصالح بقاء النظام في سوريا!.
والحالُ أنّ هذا "المحور" كانَ المستفيد الأوّل من غزو العراق، فكيف يكون منتصراً بانتهائه؟.
لا يخفى على أحد أنّ الغزو الأميركيّ للعراق في 2003 شكّل محطّة فاصلة لـ "المشروع الإيراني". ذلك أنّ إزاحة "الحاجز العراقي" أسقط من أمام إيران موانع وروادع التوسّع باتجاه المشرق العربيّ. فبالإضافة إلى ما هو معروف من اختراق إيرانيّ للعراق تحت مظلّة الحرب الأميركيّة على بلاد الرافدين، فإنّ طهران أطلقت العنان لمشروعها الهادف إلى أن تجعلَ من نفسها قوّة إقليميّة "عظمى"، سواء عبرَ تطوير برنامجها النوويّ أو عبرَ الإمساك بملفات أساسيّة في المنطقة. ولكَم كانَ الملك الأردني عبدالله الثاني محقاً عندما حذّر في خريف 2004 من تكوّن ما سمّاه "الهلال الشيعيّ" الإيرانيّ في الشرق الأوسط. وهو كانَ يشير إلى "هلال" يشمل فضلاً عن إيران نفسها، العراق وسوريا ولبنان، إضافةً إلى الإمساك بـ"المسألة الفلسطينيّة" وتحريك "مسألة شيعيّة" في معظم دول الخليج.
إذاً، ازدهر "المشروع الإيرانيّ" الإقليميّ في ظلّ الاحتلال الأميركيّ للعراق ثمّ في ظلّ الاتفاقيّات الأميركيّة – العراقيّة. بل إنّ أميركا اعترفت بـ "نفوذ إيرانيّ" في العراق وتفاوضت مع إيران بشأنه بطرق شتى. وأكثر من ذلك، وحتىّ اللحظات الأخيرة من "الوجود" الأميركيّ في "العراق" سعت إيران إلى التفاوض مع واشنطن حولَ ملفّ "كامل": البرنامج النوويّ من جهة و"الأوراق الإقليميّة" من جهة ثانية.
هذا أوّلاً. أمّا الأمر الثاني فهو حقيقة أنّ الولايات المتّحدة بوجودها في العراق كانت "تحت رحمة" المحور السوريّ – الإيرانيّ.
ظلّت أميركا طيلةَ أكثر من ثماني سنوات باحثة عن أمن قوّاتها وجيوشها. وكانَ كلّ من إيران ونظام الأسد بإدارتهما شبكات العنف والإرهاب في العراق، مِن دمشق وطهران إلى العراق، يبتزّان واشنطن بالأمن ومنه بالسياسة. وقد استخدما هذا الأمر لـ "البيع والشراء"، أي لبيع الأمن والشراء في السياسة. وحتى اللحظة الأخيرة، لم تُخفِ إيران مرّات عديدة رغبتها في أن يحصلَ تفاوضٌ ما مع الولايات المتّحدة يقود إلى بقاء قوّات أميركيّة بنسبة معيّنة في بلاد ما بين النهرين. كي تبقى حاجةٌ أميركيّة إلى البحث مع طهران.
في ضوء ما تقدّم ثمّة استنتاجٌ لا مفرّ منه.
إنّ إتمام أميركا لانسحابها من العراق ليس نصراً لـ "الممانعة" الإيرانيّة – السوريّة على الإطلاق.
سقطت من يد طهران ذريعة "الازدهار" بوجود القوّات الأميركيّة وسقطت معها "ورقة" التلاعُب انطلاقاً من الداخل العراقيّ. إلّا إذا كانت ستفجّر في وجه العراقيين أو كانت ستدير صراعات عراقيّة – عراقيّة بعناوين مختلفة. وسقطت من يد طهران ودمشق "ورقة" أساسيّة لابتزاز واشنطن أمنياً وسياسياً.
"تحرّرت" الولايات المتّحدة باستكمال انسحابها من الابتزاز. ومع أنّ أحداً لا يستطيعُ أن يصف الدخول الأميركيّ إلى العراق ثمّ الخروج منه بعد أكثر من ثمانية أعوام بأنّهما "إنجاز" للسياسة الأميركيّة، فإنّ الثابت اليوم بعدَ الانسحاب هوَ أنّ الخروج الأميركيّ من العراق يفسحُ في المجال أمام الولايات المتّحدة – أو يُفترض أن يُفسح في المجال – لإعادة صياغة سياسة أميركيّة جديدة في المنطقة بأولويّات متجدّدة. وعلى سبيل المثالِ فإنّ تحرّر أميركا السوريّ يُفترض أن يحرّرها أيضاً من الابتزاز الإسرائيليّ. ذلك أنّه بمجرّد أنّ إيران أصبحت أمام الحقيقة وجهاً لوجه فإنّها صارت أضعف: باتت مكشوفةً أمام الشعب العراقي إذ ألقيت كرة النار في وجهها، وباتت قدرتها على إدارة "مفاوضات بيع وشراء" أقلّ، وباتت أوراقُها الإقليمية، بسير النظام السوريّ نحو الانهيار أو السقوط، أضعف هي نفسها. فكيف إذا كانت إيران فوق ذلك كلّه تواجه من داخلها أعتى أزمة وجوديّة منذ نشوء "الجمهوريّة الإسلاميّة"؟. أي إنّ هذه المعطيات من شأنها أن تفرضَ على أميركا سياسةً شرق أوسطيّة جديدة، وأن تفرض أميركا على إسرائيل تالياً سياسة مختلفة ليست مبنيّة لا على حساب الأخطار على الولايات المتّحدة في العراق ولا على "الخطر الإيراني" الذي تبتز إسرائيل به. وذلك في وقت تبدأ مسيرة إيران نحو إيران، أي ذهاب إيران إلى داخلها.
أمّا آمال نظام الأسد بانفتاح جبهة داعمة له عن طريق طهران – بغداد – دمشق بعدَ الانسحاب الأميركيّ فهي أحلام وأوهام في الحقيقة.
فعلى العكس من كلّ المزاعم بأنّ إيران حذّرت تركيا وهدّدتها في ما يتّصل بالشأن السوريّ، فالمؤكّد أنّ ثمّة تفاهماً تركياً – إيرانياً: لن تصطدم تركيا بإيران على خلفيّة المسألة السوريّة ولن تصطدم إيران بتركيا على الخلفيّة نفسها. وكذلك العراق "فما فيه يكفيه"!.
… وللشعب والثورة السوريَّين السلام!.