شيءٌ ما بات الرئيس السوري بشّار الأسد مضطرّاً إلى القيام به، إذا كان فعلاً يريد تجنّب السيناريو الليبي. والأرجح أنّه سيحاول…
من غير الواضح إذا كان الأسد سيوقّع بروتوكول إرسال المراقبين العرب، خلال اليومين المقبلين، أم أنّه سيتيح تدويل الملف. فالمبادرتان الروسية والعراقية لمنع الأسوأ تنتظران مواقف حاسمة من دمشق. وليس النظام حتى اليوم في وارد الاستجابة للتسوية الوحيدة المطروحة عليه، والتي تحظى بموافقة المعارضة، أي إنهاء الأزمة على الطريقة اليمنية.
ولم يقبل الأسد بالمغادرة مع طاقم السلطة الحالية إلى منفى يضمن سلامتهم الشخصية في موسكو، وإبقاء الحكم لمرحلة انتقالية في يد فريق يرضى عنه الجميع، إلى أن تجري لاحقاً انتخابات ديموقراطية ينبثق عنها حُكْم جديد يمثّل الغالبية الشعبية.
لكن القريبين من دمشق في بيروت يقولون: "ليس هناك حلّ على الطريقة اليمنية في سوريا. فسوريا ليست اليمن، والأسد ليس علي عبدالله صالح. لكن المبادرة العربية ستحظى بموافقة الأسد في النهاية، بعدما دخل العراقيون على الخط في قوة، وتقدموا باقتراحات عملية للمعالجة، وبعدما اكتشف السعوديون أن هناك حاجة إلى سدّ الثغرات التي بدأت تزعج استقرارهم الداخلي أمنياً وسياسياً. وهم لذلك عمدوا إلى مدّ الجسور مع الإيرانيين، من خلال اللقاء الأمني الذي جمع الطرفين أخيراً".
ويردّد هؤلاء القريبون من دمشق أنّ البروتوكول الذي ينص على دخول مراقبين إلى سوريا سيكون مضبوطاً بسقف زمني قد يمتدّ إلى شهر أو إثنين حدّاً أقصى، ولن يكون مفتوحاً زمنياً.
العراقيون والأفكار العملية
ويتحدّث هؤلاء عن أن الأسد في صدد استكمال النهج الذي بدأه في نيسان الفائت، عندما أعلن عزمه على إنجاز سلة إصلاحات سريعة بدأت بتغيير الحكومة، وبوعد بإنهاء حال الطوارئ المستمرّة منذ 48 عاماً. ومن ثمّ الحدّ من التداخل بين حزب البعث ونظام الحكم، وإقامة حوار مع معارضة الداخل حول السبل الآلية إلى تحقيق الإصلاحات المطلوبة.
ويكشف القريبون من دمشق أن الأسد، وفي إطار الاستجابة للمبادرة العراقية، قد يعلن عن خطوات جديدة يريد منها أن يثبت فيها جدّيته في الإصلاحات. وعلى الأرجح سيعلن ذلك في خطاب يوجّهه الى السوريين. وهو سيشكّل حكومة يُشرِك فيها شخصيات ذات وزن من "معارضي الداخل" السوري، وقد يعمد الى حلّ القيادة القطرية لحزب البعث. وهذه أفكار طرحها العراقيون على الأسد ضمن مجموعة البنود التي تتضمنها مبادرتهم.
وبذلك يكون الأسد في سباق مع الوقت. فهو يُظهر المَيْل إلى القبول بالمبادرات الإصلاحية، دفعة تلو الأخرى، ولكن متأخراً. فمقدار التنازلات الذي يقبل اليوم بتقديمها لم يعد كافياً، ولا بديل منه يرضي الثوار سوى خروج الأسد من السلطة. لكن هذا المقدار كان كافياً على الأرجح لإطفاء فتيل الثورة، لو تمّ تقديمه قبل عام.
فهل ستكفي "جرعة" الاستجابة للمبادرة العراقية لإنهاء الملف البالغ الدقّة والخطورة في سوريا؟
بعض الأوساط الديبلوماسية يرى أن الأسد يخوض سباقاً مع الوقت، في الملف السوري الداخلي، يشبه السباق الذي خاضه مع الوقت في الملف اللبناني. فعلى مدى عقود من السنين، قاوَم المسيحيون هيمنة سوريا العسكرية على لبنان. وبعد العام 2000، تحوّلت المطالبة وطنية تضم أطيافاً سياسية أساسية. وقبل العام 2004، كان يكتفي معظم هذه الأطياف بدعوة سوريا إلى إعادة نشر قواتها في لبنان، وإلى رفع هيمنتها عن القرار السياسي اللبناني، ولكن ليس إلى انسحابها الكامل من لبنان. إلّا أن تمادي النظام في الأخطاء رَفَع سقف المطالبة، ونقَل الملف إلى مجلس الأمن، ما أدّى إلى الخروج العسكري الكامل من لبنان.
الأسد يكرّر السيناريو في الملف الداخلي السوري. وقد يراهن على الوقت لمعالجة مأزقه الحالي، المقبل على التدويل. لكن "الدرس" اللبناني جدير بالتذكّر.