ليست مصادفة أن يقوم إسلاميو مخيم عين الحلوة، بعد أيام قليلة من إطلاق الصواريخ على شمال فلسطين، باستهداف حركة «فتح» في مخيّم عين الحلوة بشكل منظّم أدّى خلال أقل من ثلاثة أيام إلى مقتل اثنين من مرافقي «اللينو» قائد «الكفاح الفلسطيني المسلّح».
لأنّ الأمر لا يتوقف عند المصادفات، فقد عادت جهات فلسطينية قليلا إلى الماضي، أي إلى كلّ مرة كانت تطلق فيها الصواريخ من الجنوب، فتبيّن لها أنّ إطلاق هذه الصواريخ كانت تعقبه مباشرة تحرّكات أمنية عنيفة داخل عين الحلوة، ما يؤشر إلى أن إطلاق الصواريخ واستعمال المخيّم لتوتير الوضع الأمني هما وجهان وواجهتان لغرفة عمليات واحدة تضرب هنا وهناك كلما استدعت الحاجة إشعال الحرائق توخياً لقبض ثمن إطفائها فيما بعد.
المعالم الأولى لعمليتي الاغتيال اللتين استهدفتا مرافقي "اللينو" تنبئ بأنّ مَن يقف وراءهما انطلق من منطقة داخل المخيم تسيطر عليها "عصبة الأنصار"، وتشير أيضا إلى أنّ هذين المرافقين اختيرا بعناية كونهما لا ينتميان إلى أيّ من العائلات التي تسكن المخيم، وهذا ربّما يدلّ إلى أنّ مَن قرّروا التحرّش بحركة "فتح" أرادوا تجنّب إثارة غضب العائلات، كما يدلّ إلى أنّ الاستدراج إلى المعركة اتخذ طابعا منظما، لعدم قدرة "فتح" على السكوت عن اصطياد مرافقي قائدها العسكري، كذلك عدم قدرتها على إغماض العين عن طريقة انطلاق العناصر التي نفذت الاغتيال من المنطقة، التي تسيطر عليها "عصبة الأنصار"، التي أبدت استنكارها لمقتلهما وعدم الاستعداد للدخول في مواجهة مع "فتح"، لكنها في المقابل، لم تجب عن سؤال يتعلق بطريقة قدوم الجناة من "حي الطوارئ" الذي تسيطر عليه، ولا كيف يمكن إخفاؤهم أو عدم معرفة مصيرهم بعد تنفيذهم العملية.
ولأنّ "فتح" تعرف أنّ ليس في استطاعتها، أو في نيّتها تنظيف المخيم، فإنّها على ما يبدو تتجه إلى اعتماد معادلة احتواء الموقف الذي نتج عن استهدافها، وذلك عبر المطالبة بتسليم الجناة، حرصا على هيبة الحركة التي تحتفظ بأكبر قدرة عسكرية داخل المخيم (7000 عنصر متفرّغ بينهم 600 مقاتل من النخبة) كما يعني ذلك عدم الدخول في مواجهة عسكرية قد تؤدي إلى توحيد القوى الإسلامية والقوى الفلسطينية الموالية للنظام السوري في قوة واحدة، عِلماً أنّ القوى الإسلامية يدعمها النظام وبعضها ينسّق مع حزب الله، فيما تسعى بعض القوى الصيداوية كالنائب بهية الحريري الى احتواء البعض القليل منها.
وتبدو الصورة بعد أحداث عين الحلوة المخطط لها بعناية، أسيرة محاذير شديدة الخطورة، فاستهداف "فتح" يهدف إلى جرّها والمخيّم إلى معركة تحدث خللا امنيا كبيرا، وتؤدي مهمّات تشبه رسائل إطلاق الصواريخ جنوبا، وإن سكتت "فتح" على الاعتداءات، فإنّ المسلسل جاهز للاستكمال بحلقات أخرى، وهذا ما يمكن أن يضع مخيّم عين الحلوة في خانة الملفات المرشّحة لأن تتصاعد حدّتها، خصوصا أنّ بعض القوى التي تنفذ هذه العمليات الأمنية تحتفظ بحرّية حركة غير مسبوقة، وقد تمّ رصد خروج بعض العناصر بطريقة آمنة من المخيّم والعودة إليه، كما أنّه تمّ رصد حركة مستمرة في داخله للمناطق الخارجة عن سيطرة "فتح"، ويؤشر هذا الرصد إلى استعداد لمعاودة وتكرار ما حصل في الأيام الماضية، فهذه العناصر تتمّ حمايتها داخل المخيّم، قبل تنفيذ ما تقوم به وبعده، وهو ما يعني وجود قرار بتشجيعها على المضي، وصولا إلى تفجير الواقع الأمني على نحو يصعب السيطرة عليه.