هناك خشية حقيقيّة بأنّ يترنّح الربيع العربيّ كلّه ما لم يجرِ التحرّك، وعلى نحو عاجل وحازم، لفتح كوّة تخرج الثورة المصريّة من أزمة تصلّب الشرايين المبكرة التي تلمّ بها على نحو مقلق قبل شهرين من إطفاء شمعتها الأولى.
إنّها أزمة مقلقة: فالنزعة (أو النزعات) الإنقلابيّة، البونابرتيّة، لدى "العسكر" ما عادَت خافية على أحد. أمّا الحيويّة النضاليّة للشباب الثائر في "التحرير" وغيره من الميادين، فإنّها حيويّة توحي بوجود "وضع ثوريّ" يذهب أكثره هدراً، نظراً لافتقاد القوى الثوريّة للخبرة السياسية اللازمة من ناحية، وللإبداع التنظيميّ الجريء من ناحية ثانية. الخبرة تعني الحاجة إلى هامش مستقلّ عن الخطابية الغوغائيّة، قادر مبدئياً على التفاوض والمساومة حيثما ينبغي ذلك، دون الخوف من المزايدات. والإبداع التنظيميّ، يعني مبادرة الثوّار إلى تأطير وتنظيم وإشهار سلطتهم البديلة. لكن الحاصل على هذا الصعيد في مصر لا يقارن بالمجلس الوطني الإنتقاليّ الليبيّ، على علاّته، وبالمجلس الوطنيّ السوريّ والتنسيقيّات في سوريا، رغم عدم قابلية المقارنة بين الفظاعات التي يرتكبها النظام السوريّ وأعمال القمع والصدامات الحاصلة في شوارع القاهرة (كان هناك في أيّام خلع حسني مبارك بوادر تنظيم سلطة محليّة ثوريّة كما في السويس، ولم تعمّر).
والمفارقة الثالثة تتصل بالتيّار الإسلاميّ الذي عكست الإنتخابات أرجحيّته الواضحة، إخواناً وسلفيين. فالإطار العام يبدو عبثياً من بعيد: "علمانيّون" لم تأت الإنتخابات لصالحهم، ومع ذلك يؤثرون الموت في مواجهة المجلس العسكريّ، إنّما لتسليم السلطة لـ"الإسلاميين".
أما "الإخوان"، فقد سبق وحذّرهم الروائيّ علاء الأسوانيّ في مقالة له قبل أسابيع قليلة، من مغبّة تكرار خطئهم في مرحلة 1952-1954، مذكّراً إيّاهم بعواقب "شهر العسل" مع "الضبّاط الأحرار" وكيف انتهى بهم الأمر كإسلاميين في نهاية المطاف إلى المعتقلات وأقبية التعذيب (تذكير مفيد، لكن الوضع مختلف للغاية).
المشكلة ثلاثيّة إذاً. مشكلة في العسكر. مشكلة في الليبراليين والعلمانيين. مشكلة في الإسلاميين. لكن لا بدّ من تمييز.
مشكلة العسكر ما عادت فقط مشكلة ثقة، صارت مشكلة مصداقية. والخيار ما عاد إمّا "العسكر وإمّا الفوضى"، إذ لم يعد هناك من حاجز سحريّ، مدنيّاً كان أو عسكرياً، يحول دون الفوضى.. إلا في حال أقرّ الجميع، الجميع دون استثناء، بجذريّة الأزمة، وتهديدها للمجتمع والإقتصاد والكيان، وهذا ما يلزم أمرين: تقاسم السلطة الإنتقاليّة من جهة، بين الجميع، بمن فيهم العسكر، والإسلاميين، وشباب الثورة، ومبادرة مصالحة وطنيّة جريئة، تستكمل بقرارات إقتصاديّة إجتماعيّة جريئة أيضاً.
أمّا مشكلة الإسلاميين، فهي بالذات أنّهم قوّة تفوز في اللعبة الديموقراطيّة، من دون استكمال شروط الإنخراط في اللعبة الديموقراطيّة، ودون أن تكون في الوقت نفسه قوّة "ثوريّة" بالمعنى من يخطّط لقلب الطاولة على الآخرين.
لقد انكشف في الإنتخابات التونسية والمصرية والمغربية زيف ادعاءات الليبراليين والعلمانيين حول تواضع حجم الإسلاميين. مع ذلك فهذا "الحجم" ورطة للإسلاميين: إذا كان عندهم كل هذا الحضور الشعبيّ منذ عقود، ولم يستطيعوا استخدامه لاختصار مرحلة مبارك وبن علي، فهذه حجّة عليهم، وليست لهم.
أن يكون الإسلاميّون بهذا الحجم الكبير، وتبقى الديكتاتوريّات العسكريّة مع ذلك لعقود مديدة، فهذه مشكلة حقيقية. لا سيّما أنّ الإسلاميين، ومع كونهم في صلب الربيع العربيّ، لم يكونوا في مقدّمة من فجّر الصاعق الذي أتاحه، وإنّما وقفوا وراء الشباب الثائر الذي لا يحمل صبغة إسلاميّة غالبة.
من هنا، لا عجب أن تأتي اللحظة الراهنة بالذات حاملة لكل هذه التناقضات. فهذه اللحظة تذكّرنا بما هو مفتقد في الحالة المصريّة: يغيب فيها الحزب الجماهيريّ النصف ليبراليّ النصف شعبويّ، كحال "حزب الوفد" في أيّام الملكية. ويغيب فيها من جهة الشباب الثائر، كل من نموذج "الحزب الثوريّ" من ناحية أولى، ونموذج "السلطة البديلة" من ناحية أخرى. ويغيب فيها من جهة الإسلاميين، القائد الكاريزميّ. والحال أنّ كثيراً من الربيعيين كانوا تورّطوا في القول إنّ غياب زعامة كاريزميّة هو نعمة، وهم على حقّ إن قورن الأمر بما جرّته هكذا زعامة في حال إيران، كما أنّهم على حقّ إن قورن الأمر بنماذج "عبادة الفرد" المتبعة من الأنظمة المومياقراطيّة المنهارة. لكنهم ليسوا على حقّ نظراً للإنعدام البالغ لهذه الزعامات الكاريزميّة في هذا الربيع، فالقائد الكاريزميّ وحده يمكنه في لحظة كهذه، إمّا أن يركب الموجات الغوغائيّة فيجرّ المصائب على شعبه، أو يمكنه أن يتجرأ على الحكمة، وعلى الذهاب إلى الأمام، بوجه المواقف الغوغائيّة. المشكلة هنا مزدوجة: فالعرب لا تفقه في هذه الحاجة إلى "قائد كاريزميّ" غير صورة "المنقذ الخلاصيّ"، في حين أنّ القائد الكاريزميّ لا يُختزل في هذه الصورة وحدها، وكانت لهم محطات وجولات في كافة تجارب الربيع في شرق أوروبا، منذ أيّام إيمري ناجي والكسندر دوبتشيك.
باختصار: اللحظة المصريّة الراهنة مقلقة، والربيع العربيّ في خطر. وللتذكير: كان شعار "الثورة في الخطر" هو دائماً شعار يقصد منه إنقاذ الثورات.