«اجتماع القادة الموارنة في بكركي صحيح في الشكل وله انطباع جيّد على الشارع المسيحي، وحتى على الشارع اللبناني، ولكن الموضوع هو أن يسلكوا معاً، وأن يصوّبوا معاً إلى هدف واحد».
بهذه العبارات قرأ مرجع كنسي نتائج لقاء الأقطاب الموارنة في بكركي، الذي أثار حراكاً سياسياً داخلياً في مرحلة المراوحة التي تعيشها البلاد على وقع التطورات السورية. وقال: "إن اللاعبين أيضاً يوجدون في ملعب واحد ولكنهم خصوم، فالمكان الواحد والاجتماع تحت خيمة واحدة لا يعني أننا توصّلنا إلى أن نكون فريقاً واحداً، ولنكون واحداً، وهنا صلب الموضوع، لا بد من العودة إلى ما كان ينادي به البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، بألّا نكون أزلام أحد، وأن نفكّ ارتباطاتنا إقليمياً ونكرّس جهدنا لقيام وطننا واستمرار حريتنا، وليس لقيام زعاماتنا واستمرار الحاشية".
ويشدّد على أهمية أن "نكون بطريركيي النزعة، فنكون حينئذٍ واحداً، أما الفولكلور فشيء جميل، والاجتماعات والمآدب والسلامات شيء أجمل، إلّا أنّ الوطن سيبقى في غياهب النسيان"، داعياً القادة المسيحيين إلى أن "يدركوا أنّ بقاء المسيحية في الشرق ليس فقط بالحفاظ على المناصفة، وليس فقط بالتعيينات أو بوظيفة من هنا أو أخرى من هناك، بل بالدور الريادي في كل المجالات وحتى الديني منها، فإمّا أن يكون المسيحيون رواداً للحداثة، وإمّا فسيتحوّلون أقلية حاضرة ولكن من دون قيمة، وهو ما رفضه أجدادنا الذين كانوا رواداً في السياسة وفي الآداب والصناعة والطب والعلوم".
ويرى المرجع الكنسي نفسه، أنّ "من الصحيح أنّ البطريرك صفير لم يفلح في جمع القادة الموارنة على ما نراه اليوم، إلّا أنّه استطاع أن يخرق وجدان الشعوب التوّاقة إلى الحرية من مختلف المذاهب والمناطق، وها هو اليوم يُرفع على راية من الرايات المطالبة بالحرية في إحدى التظاهرات في سوريا، وكأنه أصبح "تشي غيفارا" الشرق بالممانعة الحقيقية وعدم التزلّف ولا الخضوع لأكبر الديكتاتوريات، فلا المخابرات السورية وجبروتها، ولا حتى الأوروبية أو الأميركية استطاعت أن تحيّده عن مبادئه وإيمانه بوطنه وبكنيسته قيد أنملة. فيوم ضغطت عليه الولايات المتحدة للتعاون مع السوريين، جابه الضغوط واستمر في قول الحق، ويوم أتته الإغراءات وفوداً وفوداً من "الباب العالي الدمشقي" جابه الإغراءات وظلّ متمسّكاً بسيادة وطنه واستقلالية كنيسته وحرية شعبه".
ويشدّد المرجع نفسه، على أنّ "الكنيسة المارونية جمعاء، في الوطن والمهجر، لا تستطيع الخروج من الإطار الكنسي والوطني الذي وضعه هذا البطريرك "الدائم"، لذلك، مهما قيل إنّ الكنيسة خرجت عن مبادئها، أو أنّ أسقفاً من هنا أو أسقفاً من هناك يغيّرون في المبادئ التاريخية، فهذا ليس بصحيح لأنّ الإعلام شيء والحقيقة شيء آخر. ويقول المرجع الكنسي: "صحيح أنّ البطريرك صفير لم يكن اجتماعياً ومحباً للإعلام، ولكنه كان يفقه رعيته ويعرف أساسات اللعبة السياسية والإقليمية والعالمية، وقد عايش عهدين في البطريركية، وكان بطريركاً لفترة خمسة وعشرين عاما، أي أنّ ما عرفه هذا الرجل وما توصّل إليه لا يستطيع أن يمحوه إعلان من هنا أو طلّة إعلامية من هناك"، داعياً الكنيسة إلى "أن تتجدّد وتخلع عنها هذا الثوب البورجوازي الفضفاض والمترهّل، وأن تعود كنيسة الفقراء والفلاحين والعمال، وكنيسة الأحرار والثوار. وعلى البطريرك ومجلس الأساقفة أن يقودوا هذا التجدّد، وأن يمخروا من جديد بحار هذا الشرق، وأن يكونوا الصوت الصارخ ضد كل ظلم وقهر واضطهاد، لأنّ الكنيسة كانت وما زالت ضمير هذا المجتمع ووجدان هذا الوطن، فإمّا أن تكون فنكون، وإما أن تنتهي فننتهي!".