Site icon Lebanese Forces Official Website

المبادرة الرئاسية… المطلوبة!

الأزمة الوطنية التي يعيشها النظام السياسي في لبنان تتطلب مبادرات خلاقة ليس فقط من أجل إخراج البلاد من أزمتها، وهي مسألة شبه مستحيلة لارتباطها بالأوضاع الإقليمية، إنما من أجل التمهيد لتسويات وتقديم حلول تمكّن اللبنانيين من الحفاظ على استقرارهم ومزاولة حياتهم الطبيعية.
 
يحاول رئيس الجمهورية ميشال سليمان السير بين النقاط وتدوير الزوايا، وقد حافظ منذ انتخابه رئيسا على وسطيّته ومواقفه التي هي أقرب إلى قوى 14 آذار من قوى 8 آذار، والأمثلة أكثر من أن تعدّ وأن تحصى، من تأييده المحكمة الدولية وتمويلها، بمعزل عن الثغرات التي رافقت، برأيه، عملها، إلى ضرورة بتّ الاستراتيجية الدفاعية تمكينا للدولة اللبنانية، وهو قلّما يأتي على ذكر ثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" التي تغيّب الدولة لمصلحة الدويلة، وما بينهما الموقف من الثورات العربية التي عبّر في أكثر من مناسبة عن تأييده لهذا الحراك الشعبي، كما أنه لم يكتف بهذا القدر بل ذهب إلى حد اعتبار أنّ الديموقراطية في العالم العربي هي مكسب للبنان واستقراره.

وقد حاول سليمان في مناسبات عديدة تحريك مسألة صلاحيات رئيس الجمهورية، ليس من زاوية نزع صلاحيات من مواقع أخرى وإضافتها إلى موقع الرئاسة الأولى، إنما في محاولة لتصويب ما أظهرته الممارسة من خلل بعد اتفاق الطائف، عِلما أنّ الأزمة التي يعاني منها النظام اللبناني ليست ناتجة عن صلاحيات "بالزايد أو بالناقص"، بل هي بفعل التغييب المتواصل للدولة منذ أكثر من أربعة عقود إلى اليوم، كما بفعل اختلاف الأولويات بين الجماعات اللبنانية، بين من يبدّي المصلحة اللبنانية على أي مصلحة أخرى ومن يبدّي مصالح الخارج على مصالح الداخل…

ولكن أمام المأزق الوطني الذي تعيشه البلاد، وأمام الانقسام العمودي والحاد بين اللبنانيين، يبدو أنّ رئيس الجمهورية فضّل ويفضّل الانكفاء، تلافيا لما قد يخلّفه أي موقف من تداعيات وارتدادات، أو تسجيله، بالحد الأقصى، مواقف رمادية لا تزعج هذا الطرف ولا تجر ذاك إلى الرد عليه. غير أنّ هذه السياسة، على حكمتها، جعلت موقع رئاسة الجمهورية خارج التأثير السياسي، لأنه يستحيل لأي طرف أن يكون لاعبا سياسيا ما لم يتخذ مواقف واضحة وصريحة من كل مسألة وقضية.

فالأساس هو الموقف السياسي، لا الصلاحيات ولا حتى الحيثية التمثيلية، وعلى كل طرف أن يحسب ألف حساب في مخاصمته لهذه المرجعية أو تلك، بينما من مصلحة كل مرجعية أن تقسم البلاد بين مؤيّد ومعارض لمواقفها التي قد تتقاطع حينا مع هذا الطرف وأحيانا مع ذاك، ما يجعلها في صميم اللعبة السياسية وقلبها، لا على هامشها، ويؤدّي تلقائيا إلى تعزيز موقعها ودورها.

فالرئيس نجيب ميقاتي، على سبيل المثال، لا يملك حيثية الرئيس سعد الحريري السنّية، ولا شبكة علاقاته العربية والغربية، إلّا أنه تمكّن من انتزاع شرعية وجوده بفعل مواقفه المؤيّدة للمحكمة الدولية إلى حد التهديد بالاستقالة من الحكومة. كما أنّ الرئيسين فؤاد السنيورة والحريري انتزعا شرعيتهما ليس فقط بسبب إرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إنما نتيجة رفضهما التنازل عن أي موقف مبدئي ومواجهتهما لـ"حزب الله" وسوريا ومشاريعهما السياسية.

فالمسألة ليست مسألة صلاحيات، إذ لا وجود لأي منها في ظلّ قوى الأمر الواقع التي تهيمن على القرار السياسي في البلد، إنما مسألة مواقف تعيد الوهج إلى الرئاسة الأولى. ولعل أهمية الرئيس سليمان، ربما، أنه خارج الاصطفافات السياسية، وهذا ما يتيح له أن يكون الرافعة للخط الوسطي، ولا يفترض أن يتأثر بمن يعارضه أو يواليه، كما أنّ مواقفه التي تتقاطع حينا مع هذا الطرف وأحيانا مع ذاك تجعله حكما، لا فريقا، وغير صحيح أنّ الحكم يجب أن يكون من دون موقف، فضلا عن أنّ تموضعه على مسافة واحدة من الجميع لا تعني وقوفه على مسافة واحدة من القضايا المطروحة.

فلا بأس إن عارضت قوى 14 آذار الرئيس في موقفه من سلاح "حزب الله"، ولا بأس أيضا إن عارضته قوى 8 آذار في موقفه من المحكمة الدولية، كما أنّ الحياة السياسية لا تنحصر في المواضيع الأساسية ولا حتى الوجودية، إذ بإمكانه أن يقسم مجلس الوزراء في كل جلسة من جلساته حول أي بند، أكان من طبيعة اقتصادية أو اجتماعية أو إنمائية…

ولعلّ المطلوب من الرئيس سليمان بالذات، وفي هذه المرحلة المفصلية التي تعيشها البلاد والمنطقة تحديدا، أن يبادر إلى طرح الأفكار والمشاريع، وألّا يكتفي إمّا بالدعوة إلى إعادة إطلاق هيئة الحوار الوطني، أو بالدعوة إلى إعادة النظر بصلاحيات الرئاسة الأولى، إنما الدخول على خط كل قضية وموضوع من اللقاء الماروني، الذي نجح بالتوافق على مقاربة انتخابية موحّدة ولا يجوز أن يكون سليمان خارجها، لأنّ قوّته هي من قوّة البيئة الحاضنة له، الى الاستفادة من اللحظة السياسية التي عبّرت فيها طائفة معيّنة عن هواجسها، والتعبير للرئيس نبيه برّي الذي تمكّن من تلقف الطرح المسيحي لا مواجهته، من أجل أن يقدّم رئيس الجمهورية مقاربة إصلاحية شاملة على مستوى كل النظام السياسي من دون المساس باتفاق الطائف وركائزه الميثاقية، على غرار المداورة بالرئاسات التي تعطل السعي إلى تعزيز نفوذ هذه الرئاسة على حساب الأخرى لخلفيات طائفية، وغيرها من الأفكار والمشاريع…

Exit mobile version