اسوأ ما يعيب الحاكم او المسؤول، ان يرى الخطأ ويتجاهله، وان يسمع اصوات المطالبين بالحق ويصمّ أذنيه، وان يكون تبريره للذنب الذي اقترفه بعذر اقبح من الذنب ذاته، ومن المؤسف ان حالة التقصير هذه متوافرة جداً في الحكومة الحالية، الاّ عند قلّة من الوزراء يحاولون استجابة او يفشلون فيعذرون، وانا في هذا المجال لن اخوض في سيل الشكاوى التي يطلقها المواطنون من قلب محروق، على ما يصيبهم يومياً من هدر لحقوقهم، واهانات لكرامتهم، واعتداءات عليهم، في بيوتهم واعمالهم وفي دوائر الدولة وعلى طرقات لبنان التي تحكمها شريعة الغاب وتسلّط «الزعران»، لأن الموضوع الذي سأتطرق اليه، هو السبب الاساس لمآسي المواطنين، ويقضّ مضاجعهم منذ سنوات عدّة، وفشلت جميع الحكومات المتعاقبة على مواجهته، امّا بسبب الخوف، او بسبب المصالح الشخصية، او بسبب اللامبالاة بمصالح الناس والدولة.
من المعروف ان لبنان يعاني منذ اندلاع الحرب في العام 1975، من انتشار السلاح في ايدي الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، بعد ان «فرطت» الدولة واصبحت الميليشيات هي الدولة، واصبح المواطن هو المسؤول عن حماية حياته وحياة افراد عائلته، جنباً الى جنب مع عناصر الميليشيات، وبعد التوافق على اتفاق الطائف، توقفت الحرب، واعلنت الدولة استناداً الى الاتفاق «حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية» لكن الدولة اللبنانية في بداية التسعينات، كانت دولة ضعيفة، تنفّذ ما تطلبه منها الدولة الوصيّة، لذلك جرى تنفيذ الطائف استنسابياً، بحيث جمع السلاح، بما فيه الفردي من ميليشيات، وترك الثقيل والخفيف في ايدي ميليشيات اخرى، ومن هنا، بدأ اصل العلّة التي يعيشها لبنان اليوم، والتي انفجرت منذ سنوات قليلة عندما ظهر السلاح الخفيف والمتوسط عند فريق معيّن من اللبنانيين، هو اكثر بكثير مما هو عند جميع اللبنانيين الآخرين، وكان يمكن للسلاح الموجود في البيوت الاّ يثير مشكلة وخطراً على المجتمع، لولا اقدام افرقاء عديدين على استخدامه في جميع المناسبات، وفي اعمال السطو والاعتداء على الارواح والممتلكات، وفي حلّ المشكلات التافهة والخلافات بين ابناء القرية الواحدة او الحيّ الواحد، وسرعان ما كان يسقط القتلى والجرحى وتدمّر الابنية والمحال التجارية او تنهب وتحرق.
* * * *
نواب العاصمة بيروت واهلها وسكانها ينادون اليوم بمدينة منزوعة السلاح، وسبق لهم وقاموا بتحرّك مماثل بعد الاشتباك الواسع الذي حصل بين عناصر من جمعية المشاريع (الاحباش) وعناصر من حزب الله، وسقط فيه قتلى وجرحى من الطرفين، ولم يأبه لهم احد في المناسبتين، كذلك ارتفعت اصوات الطرابلسيين بعد احداث جبل محسن وباب التبانة، مطالبة بنزع السلاح من المدينة، ولكن الدولة النائمة نومة اهل الكهف، لم ترَ ولم تسمع ولم تنطق بكلمة، وتكررت القصة في بعلبك وصيدا، ولم يهتزّ المسؤولون، لا لاصوات الرصاص والقنابل، ولا لاصوات المواطنين المستنجدين بحكومتهم ودولتهم، ومؤخراً عندماً استفحلت جرائم القتل في المناطق الشرقية، وكثرت عصابات السطو المسلح على البيوت والسيارات والصيدليات والكنائس، بدأت تعلو اصوات تطالب بالتسلّح وبالحماية الذاتية، لأن جهود القوى الامنية، على الرغم مما حققته من نجاحات احياناً، لم تقنع المواطنين بأن الدولة قادرة على حمايتهم كما يجب لاسباب لم تعد خافية على احد، وانضمّوا الى غيرهم من اللبنانيين الذين يعتبرون انه حتى يتحقق التوافق بين الافرقاء السياسيين على صيغة مقبولة لحماية لبنان، يستفاد فيها من سلاح المقاومة الثقيل، لا بدّ من اجراء وقائي سريع، يعيد الى لبنان سمعته كبلد آمن مستقر، لا خوف فيه على المواطنين ولا على السيّاح، او المغتربين العائدين الذين تعرّض بعضهم للخطف والابتزاز على يد العصابات المحترفة.
* * * *
ما يعيب التحركات المطالبة بوطن نظيف من السلاح والجريمة، انها «تنفّس» بسرعة، وتقتصر تباعاً على هذه المدينة او تلك المنطقة، بدلاً من دعوة جميع المواطنين الى تحرّك سلمي ديموقراطي منظّم، تقوده هيئة تضمّ شخصيات وقيادات قادرة على الـتأثير والتحريك، خصوصاً ان الحركة من دون نتيجة تعطي نتائج عكسية، وتشبه من يأخذ جزءاً من الدواء ولا يكمله، وعندها يصبح السلاح كالمرض الذي يقوى على صاحبه ويقتله.