كتبت دنيز عطا الله حداد في صحيفة "السفير":
أيام وينطوي عام آخر على هواجس اللبنانيين ومخاوفهم القديمة المتجددة، ولا حلول في الافق. المسيحيون خائفون، فيحاولون تفصيل قانون انتخابي على مقاس مخاوفهم الضيقة جداً. الشيعة خائفون، ويبددون فائض خوفهم باستعراض متواصل لفائض قوتهم. السنة خائفون ويفترضون ان نجاح الثورات العربية سيبدد بعضاً من اسباب خوفهم. الدروز خائفون ويراهنون على حنكة "بيكهم" لتجنيبهم العواصف.
وفي تفصيل كل طائفة ومذهب يمكن التأشير الى اسباب خوف العلويين والكاثوليك والسريان وصولاً الى اولئك "المضطهدين في الارض" الذين لا يريدون الانتماء الى اي طائفة لا في الدين ولا في السياسة.
خوف الطوائف وتخويفها لبعضها البعض، يستند الى هواجس منها مبررة ومنها مصطنعة، منها تاريخية ومنها آنية. لكن الأكيد ان السياسات والسلوكيات العامة المتبعة لا تفضي مطلقاً الى معالجة هذه الهواجس وتبديدها، بل على العكس تماماً، تسرف في تعزيزها.
حاول الرئيس نبيه بري مؤخراً تلقف كرة تضخم القلق المسيحي التي تُرجمت مطالبة بقانون انتخابي، يمكن الجزم انه يناقض دور المسيحيين التاريخي وما رسخ في وجدان معظمهم، عن لبنان ودوره… ودورهم فيه.
نفّس رئيس المجلس بعضاً من الاحتقان الذي ولّده طرح هذا القانون. اظهر مرة جديدة انه من العارفين بالبلد واحوال ناسه وجماعاته وسياساته، الصغيرة منها والكبيرة. ويقول أحد المشاركين في لقاء بكركي ان "بري الذي يدرك جيداً أن مثل هذا المشروع لن يبصر النور، حاول احتضان هذا الطرح ليتم سحبه تدريجاً وفي الاطر السياسية المناسبة. فلا ينقص البلد خلافات جديدة. ولا تنقص بري توترات اضافية على جبهة العلاقة مع حلفائه المسيحيين المنضوين اليوم تحت عباءة بكركي. كما لا يحتاج حلفاؤه مزيداً من الاحراج في بيئتهم المسيحية. وبالتالي لا وجوب للتصعيد في قضية سقفها وافقها محددان". يضيف "هذا لا يعني مطلقاً عدم تفهم بري للهواجس المسيحية. فهو يعرفها جيداً كما يعرف هواجس سائر الطوائف لكن الحلول غير متاحة اليوم والاكيد ان اقتراح اللقاء الارثوذكسي الانتخابي ليس احدها".
بكركي بدت بدورها مرتاحة لرد فعل رئيس مجلس النواب الذي تعرف انه يخالفها النظرة الى قانون الانتخاب الافضل، لكن "كلامه عن وجوب اجتراح حل متكامل يساهم في ضمان المسيحيين وجميع اللبنانيين ويؤمن الحقوق للجميع، كلام وطني يحاول تلمس حلول عوض تجاهل المشـاكل".
وتشير اوساط بكركي الى "اهمية مقاربة حراك الكنيسة في الشأن العام من منطلق المصلحة الوطنية والمسيحية معاً. فالكنيسة لا تفصل بين مصلحة المسيحيين وما يعود بالخير على لبنان واللبنانيين عموماً. فهذه حلقة مترابطة". وتؤكد الاوساط "ان بكركي هي من دفعت باتجاه ان يتم استمزاج آراء كل الشركاء في الوطن في موضوع قانون الانتخاب. ونحن لا يمكن ان نصر على اي قانون او صيغة تستفز سائر اللبنانيين او تكون مدعاة انقسام وشرذمة".
وفي الاطار عينه، تؤكد المصادر "وجوب التفهم المتبادل للمخاوف مصادر القلق والمصارحة اقصر الطرق الى ذلك. ففي الواقع اليوم ينتخب الشيعة نوابهم وكذلك السنة والدروز. وحدهم المسيحيون ينتخبون حوالى النصف من نوابهم او اكثر بقليل. هذا ليس عدلاً ولا مساواة في المواطنية". وتنفي الاوساط ان يكون هذا المشروع مصدراً لوصول المتطرفين الى البرلمان "الا اذا اعتبرنا اليوم ان "المستقبل" و"حزب الله" و"امل" و"الاشتراكي" احزاباً متطرفة أو تشجع على التطرف لانها تمثل بيئتها وتصل الى الندوة البرلمانية باصوات ناخبيها الفعليين". وتدعو للاحتكام الى إرادة الناخبين "وان نثق بها ونحترمها حتى لو خالفت احيانا طموحات بعض النخب ونظرتها للبلد".
وتؤكد مصادر بكركي عدم تمسكها بصيغة اللقاء الارثوذكسي "لكننا في الوقت نفسه، لن نتنازل عن حقنا كلبنانيين اولاً في ان يكون لصوتنا صداه. ومن واجب المشترع ان يجد صيغة تسمح للمسيحيين كما لكل طائفة لبنانية ان تكون شريكاً فعلياً في ادارة البلد وتقرير سياسته. فتهميش اي طائفة ينعكس على البلد عموماً الذي اتفقنا جميعاً على العيش فيه معا عن اختيار وليس فقط عن اضطرار".
وتعبر الاوساط عن "اسف الكنيسة اساقفة وبطريركاً لتمادي بعضهم في اعتبار ان الكنيسة تتبنى طروحات تقسيمية. فلمساهمة الكنيسة وبطريركيتها النتيجة الحاسمة لولادة لبنان الكبير. وما تحملته من استهداف دفاعاً عن هذا اللبنان من ابنائها حيناً ومن الآخرين احياناً اخرى، يجعلها، بتواضع، فوق المساءلة في هذا الموضوع. فنحن نسعى الى ما يجمع لا الى ما يفرق. لكن علينا الاقرار كلبنانيين اننا بحاجة الى الجلوس معاً والتصارح في مواضيع عديدة بعيداً عن المجاملات السياسية والوطنية. نحتاج الى اعادة استلهام روح الميثاق اللبناني والى ضخ الروح في الصيغة الشهيرة. للجميع هواجسهم وللمسيحيين جرأة الجهر بها. ومن المرات القليلة التي يلتقي فيها المسيحيون على موضوع ويتفقون عليه، مما يعني ان الوجع يصيب كامل الجسم المسيحي. هذا يتطلب علاجاً وليس تجاهلاً او تخوينا".
وكررت الاوساط الكنسية التأكيد "نحن لم نقل هذا اقتراحنا او لا نقبل بسواه. قلنا ببساطة نريد ان نتمثل بما يحفظ وجودنا وحقوقنا والمناصفة التي أجمعنا عليها كلبنانيين. وقد شرّعنا باب الحوار والنقاش مع سائر اللبنانيين بما يمهد لتوافق عام بشأن القانون الاكثر والاصدق تمثيلاً".