إجماع المسيحيّين على «قانون انتخاب» للإستعاضة عما أصابهم من حلفائهم
جعجع يرى أنّ المنافسة الطائفيّة تُفاقم الفئويّة
وسامي الجميل يعزو الانحسار الديموغرافي الى عامل نفسي
أحمد الحريري رفض استقبال الجوزو الذي أطلق موقفاً مُسيئاً للقاء بكركي
يتضمن اتفاق الطائف عناوين عدة جاءت بمثابة روح النص لهذه الوثيقة، التي وضعت من اجل ارساء عقد اجتماعي جديد، على انقاض النظام السياسي السابق لهذا الاتفاق بما تتطلب حكماً، دستورا جديداً مغايراً عن السابق كترجمة لوثيقة الطائف التي لم تشهد تطبيقاً صحيحاً في زمن الوصاية السورية وما بعدها في العام2005 اي بعد انسحاب القوات العسكرية والامنية السورية عن الاراضي اللبنانية.
ولا شك بان المسيحيين خسروا في اتفاق الطائف حضوراً سياسياً في معادلة الحكم ناتجة عن تقليص صلاحيات رئاسة الجمهورية واعطاء مجلس الوزراء مجتمعا صلاحيات اوسع، وجعلت رئيس الحكومة السني واستنادا الى صلاحيات جديدة انيطت به في موقع فاعل ومؤثر في مفاصل السلطة وهيكليتها.
وقد كان المقابل للتقليص في صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني حيازة المسيحيين على مكسب معنوي مفاده اعتراف المسلمين بلبنان كياناً نهائياً، وفق صيغة تقتبس روحية ميثاق العام 1943 وما حمل من شعارات شبيهة في هذا الاطار.
كما كان في مقابل الموافقة المسيحية على التخلي عن صلاحيات – حسب ركن سياسي واكب مؤتمر الطائف وولادة الوثيقة يومها – حصول المسيحيين على المناصفة في عدد اعضاء مجلس النواب بينهم وبين المسلمين.
وكما هو حال كل اتفاق يكمن سر نجاحه في تنفيذه وتطبيقه، فكذلك كان واقع وثيقة الوفاق الوطني، التي ادت طريقة تطبيقها الخاطئة لتجاوز النص وفقراته زمن الوصاية السورية، التي اشرفت على تنفيذه وفق حساباتها.. حيث كانت بوادر الاعتراض على سوء التطبيق والممارسات الخاطئة، في مقاطعة المسيحيين الانتخابات النيابية في العام 1992 بنسبة قاربت السبعة والثمانين بالمئة… واستمرت السياسة الظالمة في حق هذا الفريق، بعد نفي الرئيس الاسبق للحكومة العسكرية العماد ميشال عون وكذلك الرئيس الاسبق امين الجميل بعد عودته الى لبنان من الخارج في العام 1992 قبيل اجراء الانتخابات النيابية التي كان مؤيدا ودافعا لمقاطعتها.
وفي العام 1994 اكتمل المشروع السياسي يومها، بتفجير كنيسة سيدة النجاة من قبل النظام الامني سابقا بهدف اعتقال رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتورسمير جعجع سياسياً، لاعتراضه على سوء تطبيق الطائف…
ومنذ بداية تطبيق الطائف مجازيا، وفق المصالح السورية وعدد من الحلفاء يومها، اشتدت على المسيحيين الممارسات الامنية التي عمدت الى قمع واعتقال عدد واسع من ابناء هذه البيئة، مما دفع بهم الى الهجرة يومها، بحيث فاق عدد المسيحيين الذين هربوا او فروا من النظام الامني بالجملة اي كعائلات او بالمفرق كافراد، بين عامي 1990 وعام 2005، العدد الذي غادر منذ بداية الحرب في العام 1975 حتى العام 1990 اذ بعدما بدأ هؤلاء يشعرون بان لا استقرارا سياسياًَ وامنياً لهم، ولا هامش لهم اقتصادياً بالعمل والانتاج، في ظل «الخوّات» التي كان يفرضها اركان النظام الامني وحلفاؤهم في النظام الامني السوري العامل في لبنان، فكان الى جانب الهجرة التقلص الديموغرافي الذي هو نتاج هذا الاداء.
وفي تلك الحقبة، كانت محاولات من قبل اركان السلطة بهدف طمأنة المسيحيين في ظل اعتقال ونفي قاداتهم، فكان اللقاء الخلوة في بكركي الذي عقده البطريرك الماروني يومها مار نصرالله بطرس صفير مع رئيس الحكومة الشهيد رفيق الحريري في العام 1997، ثم كان النظام الامني مع ولاية الرئيس السابق اميل لحود، بهدف القضاء كليا على هذا الفريق والحد من تحركاته السياسية الى ان كان البيان- النداء للبطريرك صفير في ايلول العام 2000 وثيقة ولادة لقاء قرنة شهوان الذي ابدى الرئيس السابق لحود وجهازه الامني مع عدد من الحلفاء الحاليين لقوى 14 آذار كل وسائل القمع حياله الذي ترجم في اعتقالات اركان منه في 7 اب من العام 2001.
ورغم هذا الواقع الامني الضاغط والدموي في بعض جوانبه، سعى رئيس مجلس النواب نبيه بري الى مبادرة سياسية من شأنها ان تعيد العلاقات بين المسيحيين وبين الدولة، فكان ان بادر للاعلان عن اعادة تموضع القوات السورية في لبنان من زاوية الانسحاب في عدة مناطق، ما ادى يومها الى ردة فعل قوية عليه من جانب القيادة السورية واركانها الامنيين، في موازاة حملة تحريض على الرئيس بري وكذلك على الرئيس الحريري من جانب اركان النظام الامني اللبناني الذي كان يعمل على تهجير المسيحيين وافراغ لبنان منهم…
وفي ظل تلك الحقبة الممتدة من عام 1990 حتى العام 2005 والتي لا تسقط مسؤولية كافة اركان الدولة ومفاصلها المحورية، من ممارسة اساليب واطماع وانحيازات في عدة مجالات ادارية ومناطقية، في موازاة قوانين انتخابية غير عادلة في حق المسيحيين، كان الدور الاساسي في محاولة تفريغ لبنان من مسيحييه، عن دراسة او عدم عناية… من قبل الشركاء في الوطن.
ان نتائج تلك الحقبة من تقليص ديموغرافي للمسيحيين في لبنان، هي التي ادت بمسؤولين للتوافق على قانون انتخاب يجدون فيه اعادة محقة الى الواقعين السياسي والاداري دون منّة من احد. ولذلك كان الاجماع الذي رعاه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، داخل صفوفهم للوصول الى قانون يلقى موافقة جميع الفرقاء للتحاور مع الشركاء في الوطن، وكان مشروع اللقاء الارثوذكسي نقطة التلاقي حول هذا الامر، لكون المراد منه معالجة خلل بعد سنوات من سوء التعاطي مع المسيحيين من الذين هم حاليا حلفاء، فهم في محوري 8 و14 اذار وهو طرح يبقى تحت سقف الطائف لان ما نفذ من مناصفة كان صوريا بمعنى ان ثمة نوابا مسيحيين لم يفوزوا باصوات الناخبين المسيحيين، ما افقد عمليا هذه الطائفة حضورها السياسي الكامل.
والتلاقي المسيحي، حول تصور انتخابي من جانب البطريرك الماروني والاقطاب الاربعة ونواب الطائفة، اتى في سياق ترجمتهم لمسؤوليتهم امام مؤيدين في هذه البيئة بعدما تبيّن بانه بات عاملا ملحاً، ضرورة انتخاب المسيحيين لنوابهم، لكون هذا الواقع يقوي التواصل بين الناخبين وممثليهم، في عدة مناطق اسوة «بالاطراف» على سبيل المثال والعاصمة بيروت.
ولم تكن الردود والحملات على هذا التفاهم المسيحي توازي الحاجة الوطنية الى تصحيح الخلل للمحافظة على الحضور المسيحي والحد من الخسارة، لكون الواقع النفسي هو الذي يؤدي للتراجع الديموغرافي المسيحي على حد ما قال منسق اللجنة المركزية في حزب الكتائب النائب سامي الجميل في الاجتماع الذي عقدته قوى 14 اذار المسيحية للنقاش في الملف هذا ليل الاول من امس. اذ في الواقع، ايضا ينتخب حاليا نحو ثلث نواب المجلس من قبل طوائفهم، كما هو الحال في عدد من اقضية الجنوب ذات التمثيل الشيعي العامي، وكذلك الامر في دوائر الضنية، الكورة، البترون، زغرتا، بشري، كسروان، ولم يمارس هؤلاء اي اداء مغلق او فئوي، بل ان معظمهم يملكون خطابا وطنيا جامعا غير طائفي.
ثم ان المسيحيين يعانون من اهمال مدروس او غير مقصود، اذ توزع المساعدات في مناطق الجنوب وعكار على سبيل المثال بنسب ضئيلة عليهم، في حين يحظى ابناء الطوائف الاسلامية بفائض منها، فقط لان لديهم نوابا يسهرون عليهم ويتابعون شؤونهم.
وفي السياق ذاته، هنا يسجل الخطأ لدى نواب تيار المستقبل الذين شنوا حملة انفعالية غير مدروسة على لقاء بكركي والمشروع الانتخابي الذي توافق عليه المجتمعون قبل ان يصححوه لاحقا من خلال ترحيب كتلة المستقبل بالتحاور مع اللجنة المنبثقة عن المجتمعين في بكركي لا سيما ان حليفهم الاساسي في قوى 14 اذار المسيحية رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، يقف وراء تبني هذا الطرح في بكركي، بعدما كان اعرب عن تأييده له في الاجتماع ما قبل الاخير.
وفي المقابل، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي رغم العلاقة الشخصية – السيئة مع رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب العماد ميشال عون، ورغم خلافه السياسي مع قوى 14 اذار المسيحية التي لم تنتخبه رئيسا للمجلس على مدى دورتين، يعطي الامر مداه الزمني، حتى وضعه من قبل موفد النائب العماد عون النائب ابراهيم كنعان في «اجواء» وتفاصيل هذا الملف ليعلن موقفاً متفهماً، بعدها لقي ترحيباً من الدكتور جعجع، الذي يجد في اعتماد المشروع الارثوذكسي، مدخلا لاسقاط الخطاب المذهبي، بعد ان تنتقل المواجهة الى داخل الطوائف، فتتحول عندها بين المسيحيين فقط وداخل صفوفهم، وكذلك هو الامر لدى المسلمين ولا يعود من الممكن ادخال المزايدات المذهبية بل تكون عندها المنافسة انطلاقا من الخيارات والمشاريع السياسية التي يقدمها اي فريق او اي مرشح…
وفي المقابل، تحدثت معلومات بان منسق تيار المستقبل احمد الحريري عمل على ضبط الامر داخل كتلة المستقبل، من خلال طلبه من النواب والقياديين عدم اعلان مواقف وانتظار اللقاء مع اللجنة المكلفة من قبل بكركي والتواصل معها في الافكار التي تحملها، مشيرة المعلومات الى ان احمد الحريري رفض استقبال المفتي محمد علي الجوزو بعد الهجوم الذي شنه على اللقاء والمجتمعين.